أدمينو لـ"تيلكيل عربي": مطالب "جيل زد" تطغى على الدخول البرلماني.. وستعيد رسم أولويات الأجندة الحكومية

خديجة عليموسى

في سياق سياسي واجتماعي خاص يتسم بارتفاع منسوب انتظارات المواطنين واتسمرار احتجاجات جيل Z، سيتم بعد غد الجمعة افتتاح الدورة الخريفية من السنة التشريعية للبرلمان.

ويأتي هذا الدخول البرلماني في سنة تعد الأخيرة من عمر الولاية الحكومية الحالية، ما يجعلها محطة مفصلية تتقاطع فيها رهانات الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي مع التحضير للاستحقاقات الانتخابية لسنة 2026.

في هذا الإطار، أجرى "تيليكل عربي" حوارا مع عبد الحفيظ أدمينو، أستاذ القانون العام بجامعة محمد الخامس بالرباط والمحلل السياسي، حول ملامح الدخول البرلماني الجديد، وتأثير الدينامية الشبابية على الأجندة الحكومية، وطبيعة العلاقات بين مكونات الأغلبية والمعارضة في أفق الانتخابات المقبلة

- ما الذي يميز الدخول البرلماني الحالي عن سابقه، لا سيما مع ارتفاع منسوب الانتظارات والتعبيرات الشبابية من جيل Z التي شهدتها بعض المدن ؟

يتميز الدخول البرلماني لهذه السنة بعدد من الخصوصيات البارزة، أبرزها الدينامية الشبابية التي تعيشها البلاد منذ أسابيع، والتي بلا شك سيكون لها تأثير على المطالب الاجتماعية وعلى تفاعل الحكومة معها،  بل إن ذلك سيفرض على الحكومة أن تتخذ تدابير وتعبئ موارد مالية إضافية في مشروع قانون المالية لسنة 2026، الذي سيعكس  لا محالة هذه التوجهات الجديدة، إن هذه الدينامية اليوم  بلا شك ستؤثر على مجموعة من الأولويات التي كانت الحكومة قد رسمتها، خاصة وأنها مرتبطة بالمطالب الاجتماعية التي تركز على الصحة والتعليم بشكل أساسي.

أما  المتغير الآخر  فهو مرتبط بطبيعة المرحلة السياسية نفسها، فهذه السنة هي الأخيرة من عمر الولاية التشريعية الحالية، وستعرف عرض ومناقشة آخر قانون مالية في عهد هذه الحكومة.

كما ستتميز أيضا بالشروع في مناقشة والتصويت على مشاريع القوانين المؤطرة للعملية الانتخابية لسنة 2026، وفق ما جاء في الخطاب الملكي لعيد العرش.

وبالتالي، فكل من الحكومة والبرلمان مطالبان بدراسة هذه المشاريع في أجواء من التوافق، لأن القوانين الانتخابية عادة ما تطرح نوعا من التوتر السياسي بين فرق الأغلبية والمعارضة من خلال طبيعة التعديلات المقترحة، وإن كان هذا التوتر قد تم العمل على الحد منه في إطار المشاورات التي قادتها وزارة الداخلية مع مختلف الأحزاب السياسية وخاصة الممثلة في البرلمان.

كما أن الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح السنة التشريعية يشكل دائما لحظة توجيهية مهمة، لأنه يحدد عددا من الأولويات والتوجهات الكبرى التي يتعين على الحكومة الاشتغال عليها.

 لذلك أعتقد أن هذه المتغيرات ستؤثر على طبيعة الدخول البرلماني لهذه السنة.

- هل يمكن القول إن الأجندة الحالية قد تميل أكثر نحو الطابع الانتخابي على حساب القضايا الاجتماعية التي تشغل الرأي العام؟

أتصور العكس تماما، السبب بسيط وهو أن المنهجية التي تم اعتمادها في إعداد القوانين الانتخابية مختلفة، إذ أن  جميع  الأحزاب السياسية قدمت مذكراتها ومقترحاتها، كما أن وزارة الداخلية عقدت اجتماعاتها  مع كافة هذه الهيئات.

ويمكن القول إن ما تسرب اليوم من هذه التعديلات  والمقترحات يؤكد وجود تقارب كبير بين الأحزاب السياسية في عدد من النقاط، وهو ما سيسهل عملية التصويت على القوانين الانتخابية.

لكن في الوقت نفسه أتصور أن هذه الدينامية الشبابية والمطالب الاجتماعية قد تعزز التوجه نحو اعتماد قانون انتخابي يدمج الشباب بشكل أكبر، ويخلق تدابير تحفيزية لمشاركتهم في العملية الانتخابية سواء من خلال التصويت أو الترشح،  ويمكن أيضا التفكير في منح دعم إضافي للأحزاب التي تشجع ترشيح الشباب.

 وبالتالي فإن حدة مناقشة هذه القوانين الانتخابية ستكون أقل،  ومع ذلك تبقى الحكومة مطالبة، انطلاقا من هذه المطالب الاجتماعية، بأن يشعر الشباب بأنهم معنيون بكل التدابير التي تعتمدها الحكومة، علما أنه لن يكون ممكنا الاستجابة لكل المطالب لأنها تختلف من حيث طبيعتها وزمن تنفيذها.

 لكن على الأقل يمكن للحكومة خلال ما تبقى من عمرها أن تدمج التدابير التي يمكن أن تسرع الحلول وتحدث أثرا مباشرا  على المواطنين لا سيما المتعلقة بقضايا التشغيل والصحة والتعليم.

- لوحظ في الآونة الأخيرة أن بعض مكونات الأغلبية الحكومية تصدر عنها تصريحات تنتقد الأداء الحكومي وكأنها في موقع المعارضة، كيف تفسرون ذلك، وهل يمكن أن يكون لهذا تأثير على النقاش داخل البرلمان؟

ذا قارنا خرجات الوزراء المنتمين للأحزاب الثلاثة المشكلة للأغلبية، وهي التجمع الوطني للأحرار والاستقلال والأصالة والمعاصرة، سنلاحظ أن الجميع يلتزم بالبرنامج الحكومي ويدافع عنه، كل الوزراء، سواء من هذا الحزب أو ذاك، يرافعون على أساس البرنامج الحكومي وعلى الالتزامات التي قدمتها الحكومة.

لكن في الوقت نفسه يجب الإقرار بأن هذه الأحزاب السياسية لكل منها  هويتها ومرجعيتها الفكرية وعقيدتها السياسية، ولذلك من الطبيعي أن نجد بعض الاختلاف في تقييم بعض القضايا أو في طريقة التعبير عنها، كما نجد اختلافا في تقييم الأمور، وعادي أن نجد بعض المسؤولين السياسيين أو الحكوميين  قد يقرون بأن هناك محدودية، أو أن هناك نوعا من الفشل، أو أن الحكومة ربما لم تحسن التقدير في بعض الملفات.

وأعتبر أن هذا أمر طبيعي، ويمكن أن يفسر بأنه تعبير مسبق عن حيوية الممارسة السياسية أكثر مما هو هروب إلى الأمام أو تخلي عن الالتزام الحكومي، فالانخراط في الأغلبية السياسية ليس انضمام لثكنة عسكرية.

فأي حزب ينبغي أن يحافظ على هويته ومرجعيته وكل ما  أتيحت الفرصة لأي طرف داخل الأغلبية لتنبيه الحكومة أو لفت انتباهها إلى بعض النقط، فهذا يدخل في صميم مسؤولياته السياسية.

  • - لكن هذا التزام سياسي وسيكون له تأثير على الانتخابات

صحيح أن هناك تأثيرا للسياق الانتخابي، لكن رغم ذلك يظل التعاقد السياسي الذي يجمع مكونات الأغلبية قائما وملزما إلى نهاية الولاية، لأن المواطن ينتظر أن يرى حكومة تتحمل مسؤوليتها إلى آخر مراحل ولايتها. وبعد ذلك من الطبيعي أن يدافع كل حزب عن حصيلة وزرائه ويقدم بدائله وبرنامجه الانتخابي لسنة 2026.

- هناك من يعتبر أن البرلمان بدأ يتحول إلى منصة انتخابية مبكرة، خصوصا من خلال أسئلة النواب وتعقيباتهم التي تركز على الدوائر المحلية، ما رأيكم؟

هذا أمر عادي،  لو لم تكن  المقاربة التي وجهها جلالة الملك بخصوص التحضير للانتخابات، لكان من الممكن أن نشهد نقاشا أكثر حدة وسرعة، وربما توترا أكبر بين مكونات الأغلبية والمعارضة، وأحيانا حتى داخل مكونات الأغلبية نفسها.

لكن بفضل هذه المقاربة، أصبح النقاش يسير في اتجاه توافق واسع حول معظم بنود القوانين الانتخابية، مع بقاء بعض النقاط الخلافية التي سيتم حسمها بالتصويت داخل المؤسسة التشريعية.

إن  البرلمانيين يستمدون مقاعدهم من الدوائر المحلية، ولذلك من الطبيعي أن يعودوا إلى دوائرهم وأن يعبروا عن قضاياها داخل البرلمان، سواء في الجلسات التشريعية أو الرقابية.

وهذا يعكس في الواقع تواصلا مستمرا بين البرلمانيين والمواطنين، علما أن الدستور يعتبر النواب ممثلي الأمة وليسوا ممثلي دوائر محلية، غير أن ثقافتنا السياسية ما زالت تميل إلى ربط البرلماني بدائرته المحلية، باعتبارها المصدر المباشر لمشروعيته التمثيلية.

- لكن إثارة المدن والمناطق تكون بحدة أكبر، رغم أن النواب يفترض فيهم دستوريا أنهم ممثلو الأمة بأكملها، لا ممثلو دوائر محلية بعينها.

هذا اختيار تقني يتعلق بكون الانتخابات التشريعية تجرى في دوائر محلية، فلو كانت على أساس دوائر وطنية لما تحدث أحد عن الدائرة المحلية، أما الآن فهي التي تمنح مشروعية التمثيلية، ولذلك فإن البرلمانيين سيعودون إلى دوائرهم لتقديم حصيلتهم.، وهذا أمر مشروع وعادي ما دام يتم في إطار قواعد أخلاقية واضحة، وفي سياق تخليق الحياة البرلمانية، وألا يستغل لدوافع شخصية محضة.

- كيف ترون موقع المعارضة في هذا المشهد؟ وهل تمتلك القدرة على استثمار اللحظة السياسية والاجتماعية ؟

عندما نتحدث عن المعارضة نتحدث عن فرقها وليس عن المعارضة ككتلة واحدة، لأنها لم تستطع أن تشكل إطار تنسيقي لأحزابها، وهذا يحد من فعاليتها وقوتها السياسية،  وهذا ما لاحظناه في محطات متعددة كما حدث في ملتمس  الرقابة أو اللجان النيابية  لتقصي الحقائق.

كما أن  المعارضة متفاوتة من حيث أدائها وقوة حضورها، ما يميزها هو أنها عدديا غير قادرة على مواجهة الأغلبية، وهذا ما يحد نسبيا من تأثيرها وقدرتها على التأثير في القرارات التي تتخذها الحكومة.

لكن يمكن القول إن المطالب التي أفرزتها الدينامية الشبابية يمكن أن تمنح المعارضة اليوم فرصة لتعزيز ترافعها وأدوارها السياسية ويمكنها أن تستثمر هذه المطالب كإطار لتأكيد صوابية انتقاداتها ومعارضتها للحكومة.