الملك ومطالب "جيل z"

أحمد مدياني
أحمد مدياني

ما حمله بلاغ الديوان الملكي، عقب انعقاد المجلس الوزاري يوم الأحد المنصرم بالرباط، هو ما كان منتظراً في خطاب افتتاح الدورة التشريعية للبرلمان.

نعم، الانتظارات تمت ترجمتها إلى توجيهات ملكية، تحتاج الآن إلى من يسهر على تنزيلها كما يجب.

كيف؟

قبل الجواب، وجب التذكير بأن المجلس الوزاري خصص للتداول في التوجهات العامة لمشروع قانون المالية برسم سنة 2026، والمصادقة على مشاريع قوانين تنظيمية، ومشروعي مرسومين يهمان المجال العسكري، إضافة إلى عدد من الاتفاقيات الدولية، ومجموعة من التعيينات في المناصب العليا.

ما يهمنا في البلاغ ككل، للإجابة عن سؤال "كيف تم التفاعل مع مطالب احتجاجات جيل z الافتراضية منها والواقعية؟"، يوجد في خمس فقرات أعتبرها العمود الفقري للتوجيهات الملكية.

أولاً، جاء في بلاغ الديوان الملكي توجيهات بـ"إيلاء عناية خاصة للمقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة، التي تُعتبر من أهم مصادر التشغيل في النسيج الإنتاجي الوطني، لاسيما عبر تفعيل آلية جديدة للمساعدة التقنية، والدعم المالي لاستثماراتها، لفائدة إحداث مناصب الشغل وتحقيق العدالة المجالية".

هذا الجانب عرف خلال ولاية حكومة عزيز أخنوش اختلال الموازين داخله بشكل مهول، بسبب التهام المقاولات الكبرى لكل منابع الاستثمار وتوزيع أسس إنتاج فائض القيمة، إذ عانت المقولات الصغيرة والمتوسطة من سطوة شركات تتمتع إما بميزة منح الاحتكار أو حصانة القرب من صناع القرار وإن كانت حديثة النشأة.

حسب تقديرات مؤسسات اقتصادية مغربية، فإن قرابة 70 ألف مقاولة أغلقت أو توجد في حالة انهيار تام، خلال السنوات الثلاث الأخيرة. رقم مفزع طال ما وصفها بلاغ الديوان الملكي بأنها "تُعتبر من أهم مصادر التشغيل في النسيج الإنتاجي الوطني".

ثانيا، تضمن البلاغ ذاته توجيهات بضرورة "تكثيف الجهود لإدماج الشباب والنساء في عالم الشغل، وكذا لتقليص آثار الجفاف على التشغيل بالمجال القروي، بالإضافة إلى مواصلة برنامج دعم مربي الماشية وإعادة تشكيل القطيع الوطني".

وحين نتحدث عن آثار الجفاف، الذي اختارت حكومة أخنوش نهج التفرج على استفحالها عوض معالجتها، فإن أخطر تجلياتها، هجرة الأسر والأفراد نحو المراكز والمدن القريبة من حيث توجد فرص الشغل بقطاع الأنشطة الفلاحية.

وكلما تراكمت أعداد من تركوا المجال القروي بدون بدائل السكن والشغل والتمدرس والصحة... ارتفعت مخاطر الاحتقان الاجتماعي، وتصاعدت شروط طفراته التي تنزاح أكثر نحو العنف.

وتم ربط طرح معالجة الاختلال البنيوي المترتب عن توالي سنوات الجفاف بتأكيد المجلس الوزاري على "إطلاق الجيل الجديد من برامج التنمية المجالية المندمجة: من خلال التركيز على ترصيد الخصوصيات المحلية، وتعزيز الجهوية المتقدمة، وعلى مبدإ التضامن بين المجالات الترابية. وسيتم إعدادها بناء على تشاور موسع مع مختلف الفاعلين المعنيين على المستوى الترابي، مع إعطاء الأولوية لإحداث مناصب الشغل للشباب، والدعم الفعلي لقطاعات التربية والتعليم، والصحة، إضافة إلى التأهيل المجالي".

وتم التأكيد، أيضا، على أنه "سيتم إعطاء عناية خاصة في هذا الإطار، للمناطق الأكثر هشاشة، خاصة مناطق الجبال والواحات، وللتنمية المستدامة للسواحل الوطنية، وكذا لتوسيع نطاق البرنامج الوطني لتنمية المراكز القروية الصاعدة".

الفقرة الرابعة التي ربطت صراحة بتنفيذ التوجيهات الملكية، شددت على أنه سيتم التركيز خلال 2026، على تعزيز المجهود الميزانياتي المخصص لقطاعي الصحة والتربية الوطنية، ليصل إلى غلاف مالي إجمالي يقدر بـ140 مليار درهم، بالإضافة إلى إحداث أزيد من 27.000 منصب مالي لفائدة القطاعين.

وأضاف البلاغ أنه "بالنسبة لقطاع الصحة سيتم التركيز على تحسين العرض الخاص بالبنيات التحتية الصحية، وذلك من خلال افتتاح المركزين الاستشفائيين الجامعيين بكل من أكادير والعيون، واستكمال أشغال بناء وتجهيز المركز الاستشفائي ابن سينا بالرباط، ومواصلة أشغال بناء المراكز الاستشفائية الجامعية بكل من بني ملال، وكلميم، والرشيدية، إضافة إلى إطلاق عملية تأهيل وتحديث 90 مستشفى".

وبموازاة ذلك، "سيتم العمل على تسريع تنزيل خارطة الطريق لإصلاح المنظومة التربوية، عبر تسريع تعميم التعليم الأولي، وتعزيز خدمات دعم التمدرس، وتحسين جودة التعليم…"

هنا، جواب صريح ومباشر، عن أبرز مطلبين رفعتهما حركية "شاب جيل z"، جواب ملكي صريح، لكن بالنظر للمرآة التي تعكس صورا من خلف الطريق، تبقى التخوفات من تنزيلها كما يجب، تلك القطعة الضائعة دائما.

أخيرا، كان ما جاء في مشروعي قانونين تنظيميين يتعلقان، على التوالي، بمجلس النواب وبالأحزاب السياسية.

وهنا، المسؤولية الكاملة ستكون على عاتق المواطن. نحن دولة مؤسسات، عبرها يمكن فرض التغيير عوض الاكتفاء برفع أصوات الحناجر للمطالبة به فقط.

تحويل تلك الأصوات من فعل الاحتجاج لفعل أن تكون صناديق الاقتراع ممتلئة بها، لصالح من يستحقون تدبير الشأن العام، سواء مركزيا أو جهويا أو محليا.

حسب بلاغ الديوان الملكي، "يهدف مشروع القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب إلى تخليق الاستحقاقات التشريعية المقبلة وضمان سلامتها، وإفراز نخب تحظى بالشرعية والثقة، وذلك من خلال تحصين الولوج إلى المؤسسة النيابية في وجه كل من صدرت في حقه أحكام يترتب عليها فقدان الأهلية الانتخابية، واعتماد الحزم اللازم لاستبعاد كل من تم ضبطه في حالة التلبس بارتكاب أي جريمة تمس بسلامة العمليات الانتخابية، علاوة على تشديد العقوبات المقررة لردع كل المحاولات التي قد تستهدف سلامة العمليات الانتخابية في جميع أطوارها".

علاقة بهذه الفقرة من البلاغ، وللأمانة، وزارة الداخلية تحركت قبل انطلاقة احتجاجات الشباب في اتجاه قطع الطريق أمام كل من تورط في ملفات الفساد ونهب المال العام واستغلال النفوذ والارتشاء... كي لا تعود وجوههم لتتصدر الاستحقاقات الانتخابية القادمة.

هذا دور الأحزاب السياسية، لكن للأسف، السواد الأعظم من قيادتها الوطنية والمحلية، لن تعالج أمراضا هي مصدرها الأول والأخير!

توجيه تنزيل ما يمنع وجوه الفساد من العودة للتمتع بحصانة حمل الصفة التشريعية والاستشارية، رافقه مقترح تحفيز الشباب الذين لا تفوق أعمارهم 35 سنة، على ولوج الحقل السياسي.

عبر مراجعة شروط ترشحهم وتبسيطها، سواء في إطار التزكية الحزبية أو بدونها، وإقرار تحفيزات مالية مهمة لمساعدتهم على تحمل مصاريف الحملة الانتخابية، من خلال منحهم دعما ماليا يغطي 75% من مصاريف حملاتهم الانتخابية. كما يقترح المشروع تخصيص الدوائر الانتخابية الجهوية حصريا لفائدة النساء دعما لحضورهن في المؤسسة النيابية.

هذه خمس ركائز جاءت في حضرة الملك، ثم ترجمت إلى إجراءات وتوجيهات ومقترحات... لم يعد معها من الممكن الوصول دائما للوقت البدل الضائع للبحث عن تسجيل التعادل.

المغرب يحتاج، كما هو متألق اليوم في كرة القدم، لإنهاء مبارياته في الوقت الأصلي فائزا متوجا، ضد خصوم الفساد واختلالات قطاعاته الحيوية... يحتاج هزم الفقر والفوارق الاجتماعية... دك شباك فرق احترفت استغلال النفوذ وتمرين لاعبيها على المراوغة لأجل المصالح الخاصة على حساب الصالح العام.

حتى إن بلغنا ضربات الترجيح من أجل التأهل لمصاف التقدم، وربح مباراة "المغرب الصاعد"، يجب أن نكون على يقين بأن حارس عرين المال العام يستحق حمل قفاز صد محاولات نهبه.

الملك محمد السادس مارس اختصاصاته الدستورية، كما يجب وحيث يجب، الكرة الآن بين أرجل من يفترض فيهم تنزيل تفاعله مع مطالب "جيل z" التي هي مطالب الجميع، وأرجل من يختارونهم ليكونوا عليهم وزراء وبرلمانيين ورؤساء جهات وجماعات وأقاليم...