في الوقت الذي ينتظر فيه المستهلك انعكاسا حقيقيا لتقلبات الأسعار الدولية على جيبه، كشف تقرير مجلس المنافسة بشكل غير مباشر عن استقرار "مثير للتساؤل" بخصوص هوامش الربح الخام لشركات المحروقات خلال الربع الثالث (يوليوز، غشت، وشتنبر) من سنة 2025، رغم التغيرات التي تطرأ على تكاليف الشراء والأسعار الدولية.
وأفاد التقرير، الذي يتوفر "تيلكيل عربي" على نسخة منه، أن الشركات التسع حققت هامش ربح متوسطا قدره 1,48 درهم للتر بالنسبة للغازوال، و2,10 درهم للتر للبنزين.
وتطرح هذه الأرقام تساؤلات حول مدى "صلابة" هذه الهوامش أمام المتغيرات الدولية، خاصة وأن هامش ربح البنزين ظل مرتفعا بفارق 0,62 درهم للتر تقريبا مقارنة بالغازوال.
ورغم أن هوامش الغازوال بدأت الربع بنحو 1,61 درهم للتر لتنتهي عند 1,35 درهم، إلا أن المتوسط العام يظل قريبا جدا من مستوى 1,46 درهم المسجل في 2024.
هذا الاستقرار يغذي الانتقادات الموجهة للقطاع حول سرعة استجابة الأسعار عند الارتفاع مقابل تماطلها عند الانخفاض، وهو ما يظهر في بلوغ هامش ربح البنزين ذروته عند 2,19 درهم للتر في النصف الثاني من غشت.
لغز "تكلفة الشراء" مقابل "سعر التفويت"
تبرز بنية الأثمان الواردة في التقرير فوارق بين ما تشتريه الشركات وما تبيعه للمحطات، فبالنسبة للغازوال، بلغت تكلفة الشراء المتوسطة (التي تشمل ثمن المنتج المستورد، الشحن، التأمين، والضرائب) حوالي 8,11 دراهم للتر، ومع ذلك، يتم تفويت هذا اللتر للمحطات بسعر متوسط قدره 9,62 دراهم (دون احتساب الهامش النهائي للمحطة).
أما في حالة البنزين، فالمفارقة تبدو أكبر، إذ استقرت تكلفة الشراء عند 9,09 دراهم للتر، في حين قفز سعر التفويت إلى 11,32 درهما للتر، هذا الفارق يوضح أن التكاليف الضريبية واللوجستية، ورغم ثقلها، لا تمنع الشركات من الحفاظ على مستويات ربح مريحة جدا قبل وصول الوقود إلى خزان سيارة المواطن.
والملاحظ، أن الشركات تسارع لنقل الزيادات في التكاليف إلى المستهلك، فعندما ارتفعت تكاليف شراء الغازوال بـ 0,21 درهم للتر، تم نقلها بشكل كامل تقريبا عبر زيادة أسعار التفويت بـ 0,18 درهم.
الهيمنة اللوجستية
أورد التقرير معطى يتمثل في تراجع رقم معاملات الشركات التسع بنسبة 6,2 في المائة ليستقر عند 18,91 مليار درهم.
ورغم هذا الانخفاض الناتج عن تراجع تكاليف الشراء دوليا، فإن الشركات لم تتنازل عن هوامش ربحها، بل ظل "فائض القيمة" محتجزا ضمن بنية الأثمان التي تضمن مستويات ربحية مرتفعة.
وبالإضافة إلى الربح المباشر، يبرز التقرير سيطرة هذه الشركات على مفاصل اللوجستيك الطاقي، حيث تستحوذ على 81 في المائة من إجمالي قدرات التخزين الوطنية (ما يعادل 1,27 مليون طن).
الهيمنة تمنح الفاعلين الكبار قدرة مناورة عالية في اختيار توقيت الشراء وتصريف المخزون، مما يضمن استقرار أرباحهم ويجعل دخول فاعلين جدد لكسر الأسعار أمرا شبه مستحيل.
وترجمت هذه القوة اللوجستية ميدانيا باستحواذ الشركات التسع على 89,1 في المائة من حجم المبيعات الإجمالي في السوق الوطنية، حيث سوقت 1,98 مليار لتر، مما جعلها المتحكم الفعلي في وتيرة التزويد وبنية الأسعار، التي استقرت في المضخة عند 11,13 درهما للغازوال و 13,03 درهما للبنزين.
وفي نقطة تعكس "ذكاء" النماذج الاقتصادية، أشار التقرير إلى أن 80 في المائة من المبيعات تتم عبر محطات "التسيير الحر"، هذا النموذج يضمن للشركات الموزعة ربحها أولا عبر "أسعار التفويت"، تاركة أصحاب المحطات الصغار في مواجهة مباشرة مع غضب المستهلك النهائي الذي يؤدي في النهاية ثمن استقرار أرباح "العمالقة".