أعاد الاتفاق الموقع بين إسبانيا والمغرب، خلال أشغال الدورة الثالثة عشرة للاجتماع رفيع المستوى المنعقد بمدريد في دجنبر الماضي، فتح نقاش سياسي وإعلامي محتدم داخل إسبانيا حول قضايا الماء وتحويل الأحواض، وسط اتهامات متبادلة بتوظيف لغة دبلوماسية "غامضة" لخدمة أجندات داخلية متناقضة.
الجدل تفجّر عقب توقيع الإعلان المشترك بين رئيس الحكومة الإسبانية Pedro Sánchez ورئيس الحكومة المغربية Aziz Akhannouch، حيث جرى الترويج في بعض الأوساط السياسية والإعلامية لكون الاتفاق "يموّل تحويلات مائية في المغرب" على حساب مناطق إسبانية تعاني بدورها من الإجهاد المائي، وعلى رأسها جنوب شرق البلاد.
ما الذي يقوله النص… وما الذي لا يقوله
النقطة المثيرة للجدل في الإعلان المشترك تشير إلى أن البلدين "سيعملان على استخدام الأدوات المالية الإسبانية" لدعم مشاريع ينجزها المغرب، من بينها مشاريع البنيات التحتية المائية، مثل تحلية مياه البحر، وإعادة استعمال المياه العادمة، ونقل المياه بين الأحواض.
غير أن قراءة دقيقة للنص تكشف أن الأمر لا يتعلق بالتزام مالي مباشر من الميزانية العامة الإسبانية، ولا بتمويل مشروع محدد، ولا بتحديد سقف زمني أو كلفة مالية. فالحديث يدور عن “أدوات مالية” بصيغة عامة (قروض، ضمانات، دعم استثماري)، مع استعمال فعل دبلوماسي مرن ("سيعملان على") لا يرتّب التزاما قانونيا أو ماليا صريحا.
ورغم ذلك، جرى تقديم هذه الصياغة في بعض الخطابات السياسية كدليل على أن "إسبانيا تموّل تحويلات مائية في المغرب"، وهو ما اعتبرته منابر إعلامية إسبانية قراءة انتقائية تهدف إلى تأجيج التوتر في سياق سياسي حساس.
تحويل مياه التاخو–سيغورا: العامل القضائي الغائب عن النقاش
في قلب هذا الجدل، يبرز ملف تحويل مياه نهر التاخو نحو حوض سيغورا، الذي يُعد من أكثر القضايا المائية حساسية في إسبانيا. فمنتقدو الحكومة المركزية يعزون تقليص التحويلات إلى قرار سياسي، في حين يغيب عن النقاش عنصر حاسم يتمثل في أحكام Tribunal Supremo.
هذه الأحكام ألزمت السلطات الإسبانية باحترام "التدفقات البيئية" لنهر التاخو، ما فرض إعادة ضبط قواعد الاستغلال المائي. وبذلك، فإن تقليص بعض التحويلات لا يرتبط بقرار سياسي ظرفي، بل بتنزيل قرارات قضائية ومقتضيات التخطيط الهيدرولوجي.
ورغم السجال، تؤكد المعطيات الرسمية أن تحويل التاخو–سيغورا لم يُلغَ، بل استمر وفق القواعد القانونية، حيث جرى الترخيص خلال سنة 2025 وحدها لتحويل 381 hectómetro cúbico من المياه نحو الجنوب الشرقي الإسباني.
دور لوبيات الماء وتضارب الخطاب السياسي
نقابة مزارعي تحويل التاخو–سيغورا (SCRATS) كانت من أكثر الجهات انتقادًا للاتفاق، معتبرة أنه “يدعم منافسًا زراعيًا مباشرًا”، في إشارة إلى المغرب. غير أن عددًا من المتابعين سجّلوا أن هذا الخطاب لم يكن حاضرًا بالحدة نفسها خلال اتفاقيات سابقة، من بينها إعلان الرباط سنة 2012، الموقّع في عهد حكومة ماريانو راخوي، والذي شمل بدوره التعاون في مجالات الماء وتحلية البحر دون أن يثير اعتراضًا مماثلًا.
كما برزت مفارقة داخل الحزب الشعبي الإسباني، الذي يدافع عن التحويلات المائية في إقليم ليفانتي، بينما يعارضها في كاستيا–لا مانتشا، ما يعكس ازدواجية في المواقف بحسب الجغرافيا والرهانات الانتخابية.
المغرب وخيار تحلية المياه
في المقابل، يشير خبراء إلى أن المغرب لا يبني استراتيجيته المائية على تحويلات تقليدية، بل على تحلية مياه البحر باعتبارها ركيزة للأمن المائي. فالمملكة تتوفر حاليًا على 17 محطة تحلية بطاقة إنتاجية تقارب 350 مليون متر مكعب سنويًا، مع مشاريع جديدة قيد الإنجاز سترفع هذه القدرة بشكل كبير في أفق 2030، من بينها محطة الدار البيضاء الكبرى التي يشارك في إنجازها تحالف تقوده شركة Acciona.
ويهدف المغرب إلى أن تؤمّن التحلية نحو 60 في المائة من حاجياته من الماء الصالح للشرب مستقبلًا، في توجه ينسجم مع السياسات المعتمدة أيضًا داخل إسبانيا نفسها.
سجال سياسي أكثر منه مائي
خلاصة النقاش، كما تعكسه التحليلات الإعلامية الإسبانية، أن الاتفاق الإسباني–المغربي لا يتضمن أي التزام بتمويل تحويلات مائية تعوّض أو تنافس تحويل التاخو–سيغورا. لكنه تحوّل إلى أداة سجال سياسي داخلي، اختلطت فيه القراءة القانونية للنصوص بالاصطفافات الحزبية، والمخاوف الاقتصادية، وحسابات الانتخابات.
وبينما يستمر المغرب وإسبانيا في تطوير تعاونهما الثنائي في مجالات استراتيجية، يبقى تحدي الماء ملفًا مركّبًا يتجاوز الخطاب الشعبوي، ويتطلب مقاربات قائمة على التخطيط، والقضاء، والاستثمار في حلول مستدامة، بدل تحويل الاتفاقات الدبلوماسية إلى وقود للصراع السياسي الداخلي.