في ظل استمرار النقاش حول وضعية القطيع الوطني ومدى قدرة السوق على تلبية الطلب المتزايد على الأضاحي، تتباين المعطيات بين الأرقام الرسمية الصادرة عن المؤسسات العمومية وما يعيشه الفاعلون الميدانيون من ضغوط واقعية.
هذا التباين يفتح الباب أمام تساؤلات حول حقيقة التوازن بين العرض والطلب، وحول فعالية السياسات المعتمدة خلال السنوات الأخيرة لإعادة هيكلة هذا القطاع الحيوي.
هل تعكس إحصاءات القطيع حقيقة سوق الأضاحي؟
اعتبر عبد الحق البوتشيشي، مستشار فلاحي معتمد من طرف وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، في سياق تقييمه لوضعية سوق الأضاحي، أن ما يتداول بشأن توازن العرض والطلب لا يعكس بدقة واقع السوق، مؤكدا أن الكساب، كفاعل اقتصادي، لا يمكنه الاحتفاظ بالحولي في ظل أسعار لا تضمن له هامش ربح بعد عيد الأضحى، خاصة مع الإقبال المتزايد على الماشية وما يرافقه من ضغط على الطلب.
وأوضح في تصريح ل"تيلكيل عربي" أن القول بأن العرض يفوق الطلب يظل بعيدا عن المعطيات الميدانية التي تشير إلى أن الطلب أعلى أو على الأقل أكثر دينامية من العرض. وفي المقابل، أشار إلى الأرقام الرسمية التي قدمتها وزارة الداخلية ووزارة الفلاحة، عقب عمليات الإحصاء التي أنجزت بخصوص القطيع، والتي تفيد بوجود وفرة في الأضاحي، ما يجعل التشكيك في معطيات المؤسسات العمومية غير وارد، مع التذكير بأن هذه الإحصاءات سبق اعتمادها أيضا في السنة الماضية قبل عيد الأضحى، وهو ما يفتح النقاش، وفق تعبيره، حول كيفية التوفيق بين المؤشرات الرسمية وواقع السوق الميداني.
أرقام مطمئنة أم معطيات متضاربة؟
السنة الفارطة، أكد وزير الفلاحة تسجيل تراجع حاد في القطيع الوطني، وهو ما دفع إلى اتخاذ قرار إلغاء شعيرة عيد الأضحى، قبل الشروع في إطلاق عملية إحصاء شاملة تروم إعادة تشكيل القطيع الوطني، وذلك بأوامر ملكية لوزارة الداخلية من أجل التدخل على الخط وتتبع هذا الورش، بما يهدف إلى إعادة بناء القطيع واستعادة توازنه بشكل يضمن استدامة هذا القطاع الحيوي.
وفي ما بعد، خرج وزير الفلاحة بأرقام خلال غشت 2025 أفادت بأن القطيع الوطني يضم ما يقارب 30 مليون رأس من صغار المجترات، موزعة بين حوالي 23 مليون رأس من الأغنام و7 ملايين من الماعز، حيث تتكون فئة الأغنام من نحو 16 مليون أنثى و7 ملايين ذكر، في حين يتوزع قطيع الماعز على حوالي 5 ملايين أنثى ومليوني ذكر.
وفي هذا الصدد، أفاد البوتشيشي بأن القطيع بدأ يشهد مؤشرات تعاف تدريجي، في ظل مجموعة من التدابير التي اعتمدتها وزارة الفلاحة، من بينها منع ذبح صغار المجترات، وإطلاق برنامج لإعادة تشكيل القطيع، إلى جانب دعم مباشر للأعلاف، فضلا عن اعتماد برنامج خاص بدعم إناث صغار المجترات من أجل تعزيز التوالد، وذلك من خلال تقديم دعم مالي قدره 400 درهم عن كل نعجة و300 درهم عن كل معزة، في إطار جهود تروم تقوية القطيع الوطني وضمان استدامته.
وأضاف أن هذه المعطيات والإحصائيات تم اعتمادها بناء على معطيات صادرة عن المسؤولين، باعتبارها أرقاما رسمية، مبرزا أنه في إطار عملية إعادة تشكيل القطيع تمت مباشرة عملية ترقيم شاملة للقطيع الوطني، وهي العملية التي استلزمت بدورها غلافا ماليا مهما، إضافة إلى ميزانية الإحصاء التي شملت مختلف مكونات القطيع على الصعيد الوطني، في سياق تتبع وضبط هذا الورش.
وأشار إلى أن الوضع، إلى حدود الساعة، يضعنا أمام احتمالين؛ إما أن عدد الأسر التي اعتادت على إحياء شعيرة الأضاحي، والمقدر ما بين 6 و7 ملايين أسرة، وفق إحصائيات رسمية قد تم تجاوزه، أو أن الأرقام المقدمة بخصوص وفرة الأضاحي لا تستجيب فعليا لعدد الأسر المتزايد، مضيفا أن تفسير هذا التباين يبقى من اختصاص الجهات المسؤولة، وعلى رأسها رئيس الحكومة، خاصة أنه سبق أن أشار إلى وجود حوالي 40 مليون رأس من القطيع.
وفرة معلنة وواقع يطرح علامات استفهام
وأوضح البوتشيشي أن رئيس المؤسسة التي تكلفت بالإحصاء خرج بتصريحات رسمية أكد فيها وجود وفرة في الأضاحي، معتبرا أن ما وقع خلال عيد الأضحى يفرض على كل من رئيس الحكومة ووزير الفلاحة تقديم توضيحات للرأي العام وشرح ما الذي حدث بالضبط، لأن ما جرى، وفق تعبيره، "غير طبيعي".
وشدد على أن ميزانيات مهمة صرفت في إطار برامج الدعم والترقيم، ما يطرح، بحسبه، علامات استفهام حول مآل هذه البرامج، خاصة وأن المعطيات الرسمية كانت تؤكد أن القطاع بدأ يتعافى، إلى جانب اعتماد إجراءات من قبيل منع ذبح الإناث. وأضاف أنه، وبناء على الأرقام المقدمة، تم السماح بذبح "الخروفة"، غير أن الواقع أظهر أن المواطنين وجدوا صعوبة في اقتناء الأضاحي، ما دفع البعض إلى شراء الخرفان الصغيرة، معتبرا أن ما يحدث اليوم يعني أننا بصدد استنزاف المخزون الاستراتيجي للقطيع الوطني من الأغنام والماعز بدل الحفاظ عليه وإعادة بنائه.
استيراد بعد العيد وإجراءات صارمة لإعادة بناء القطيع
وكشف أن هذه السنة تتميز بوفرة "الصابة"، وهو ما يجعل وضعية الكساب تبدو إيجابية نسبيا، غير أنه شدد على ضرورة أن تباشر الدولة، ابتداء من الأسبوع الأول الذي يلي عيد الأضحى، عملية استيراد الحولي بشكل عاجل، بالنظر إلى أن المجازر ستعرف طلبا مرتفعا في مقابل محدودية القطيع المتوفر محليا. وأضاف أنه في حال عدم التحرك السريع والبحث عن أسواق خارجية لتوفير الحولي وتغطية حاجيات السوق، فإن أسعار لحم الغنم مرشحة لتجاوز 150 درهما للكيلوغرام، بل وقد تتعدى هذا السقف.
وأوضح أن العودة إلى تدابير منع ذبح صغار المجترات أصبحت ضرورية، رغم صرامة القرار، معتبرًا أن إعادة تشكيل القطيع الوطني تمر أساسًا عبر التزاوج والتوالد، ما يفرض الحفاظ على "الخروفة والنعجة" وعدم ذبحهما، على الأقل إلى غاية نهاية السنة، من أجل تقييم تطور وضعية القطيع، مشددًا على أن تلبية حاجيات المغاربة تقتضي رفع القطيع الوطني إلى نحو 36 مليون رأس، "وعندها فقط يمكن الحديث عن تحقيق الوفرة".
وخلص إلى القول بضرورة منع ذبح الخرفان في الولائم، مشيرا إلى أن بعض المناسبات، مثل الأعراس، تشهد ذبح أعداد كبيرة قد تصل إلى مائة خروف، في سياق ظرفية مقبلة على الاستحقاقات الانتخابية وما يرافقها عادة من كثرة الولائم. كما شدد على أهمية تشديد المراقبة على أثمنة الأعلاف، باعتبارها عنصرا أساسيا في تحديد تكلفة الإنتاج، مع ضرورة تتبع الشركات المستوردة لتفادي أي اختلالات أو مضاربات قد تجعل القطيع خاضعًا لمنطق العرض والطلب أو لآثار تحرير الأسعار بشكل غير مضبوط.