أثار النقاش حول إصلاح المنظومة الانتخابية المغربية، مع اقتراب استحقاقات 2026، جدلًا سياسيًا وفكريًا حول طبيعة النظام التمثيلي وأفق تحوله في ظل التغيرات الاجتماعية والدستورية.
وفي هذا السياق، نشرت المجلة العربية للنشر العلمي، وهي مجلة علمية دولية محكّمة، دراسة للباحثين في القانون العام والعلوم السياسية، الدكتور أشرف الطريبق والدكتور عبد الرزاق المسكي، بعنوان "تحليل نقدي لمقترحات أحزاب المعارضة حول إصلاح المنظومة الانتخابية المغربية".
الدراسة تنطلق من فرضية أساسية مفادها أن الإصلاح الانتخابي في المغرب لا يمكن فهمه إلا في ضوء مقاربة مقارنة تجمع بين التجربة الوطنية وتجارب الدول الأوروبية، خصوصًا فرنسا وإسبانيا وألمانيا، التي طوّرت نماذج مختلفة لتوازن السلطة والتمثيلية.
الإشراف على الانتخابات.. من مركزية الدولة إلى استقلال المؤسسة
يؤكد الباحثان أن مقترحات المعارضة المغربية، رغم تباينها، تتقاطع في الدعوة إلى تحرير الإشراف الانتخابي من سلطة وزارة الداخلية وإحداث هيئة وطنية مستقلة، وهو مطلب يجد سنده في النماذج الأوروبية.
ففي فرنسا، تتولى اللجنة الوطنية لمراقبة الحملات (CNCCEP) ضمان الحياد الإعلامي والإداري خلال الانتخابات، بينما تعتمد إسبانيا هيئة مركزية مستقلة (Junta Electoral Central) تشرف على سير العملية وتراقب تمويلها.
ويشير الباحثان إلى أن المغرب يوجد في مرحلة انتقالية بين الإشراف الإداري والإشراف المؤسسي، معتبرَين أن "نجاح الإصلاح رهين بتحويل الحياد من نية سياسية إلى بنية مؤسساتية".
القاسم الانتخابي.. معادلة التوازن الديمقراطي
وفي ما يتعلق بـ القاسم الانتخابي، توضح الدراسة أن الجدل حوله ليس تقنيًا فحسب، بل هو تعبير عن توتر بنيوي بين مطلب العدالة التمثيلية وهاجس الاستقرار السياسي.
فبينما تطالب بعض الأحزاب، مثل العدالة والتنمية، بالعودة إلى قاعدة “الأصوات الصحيحة”، تعتبر فيدرالية اليسار أن أصل الإشكال يكمن في طبيعة النظام النسبي وتقطيعه الجغرافي.
ويقارن الباحثان هذا النقاش بالتجربة الألمانية التي اعتمدت نظام “التمثيل النسبي المعدّل”، والذي يوازن بين استقرار الأغلبية وعدالة التمثيل.
ويضيفان أن المغرب “يسير في الاتجاه نفسه، لكن بإيقاع خاص تحكمه اعتبارات سوسيولوجية ودستورية مرتبطة بتعددية الأحزاب وطبيعة العلاقة بين المركز والمجتمع".
التمويل العمومي.. من الدعم إلى الحوكمة
يعتبر الباحثان أن التمويل العمومي للأحزاب السياسية يمثل نقطة التقاء بين القانون والسياسة والأخلاق العامة، مشيرَين إلى أن المقترحات المغربية الأخيرة تُحاول الاقتراب من المعايير الأوروبية في الشفافية والمساءلة.
في فرنسا، تُراقَب حسابات الأحزاب من قبل اللجنة الوطنية لحسابات الحملة وتمويل الحياة السياسية (CNCCFP)، وفي إسبانيا يتم إخضاع الدعم لتقارير مفصلة تُنشر علنًا.
ويرى الباحثان أن “المغرب في حاجة إلى تفعيل آلية مشابهة تربط المال العمومي بالمسؤولية السياسية، لأن الثقة الديمقراطية لا تُبنى فقط عبر صناديق الاقتراع، بل عبر مراقبة كيفية صرف الموارد العامة".
المناصفة.. من القانون إلى الثقافة السياسية
وفي ما يتعلق بـ المناصفة والتمييز الإيجابي، يسلّط الباحثان الضوء على أن المغرب يسير في مسار متقارب مع التجربة الفرنسية والإسبانية، حيث أصبحت المناصفة قاعدة قانونية لا مطلبًا حقوقيًا.
ففرنسا فرضت منذ سنة 2000 نظام التناوب في القوائم (Zipper System)، بينما أقرت إسبانيا قانون 2007 الذي يلزم الأحزاب بنسبة دنيا من المرشحات.
ويشير الباحثان إلى أن المغرب، من خلال مذكرات المعارضة، “يتّجه نحو ترسيخ المناصفة الدستورية كأداة لتجديد النخب السياسية وتوسيع المشاركة النسائية”، معتبرَين أن “المناصفة ليست إجراء شكليًا بل رهانًا ثقافيًا يختبر مدى نضج المجتمع في قبول المساواة كممارسة سياسية".
بين الخصوصية المغربية والنموذج المقارن
وفي خلاصتهما، يشير الباحثان إلى أن التجارب الأوروبية تُقدّم للمغرب مرجعيات قانونية مهمة، لكنّ الخصوصية المغربية تفرض نموذجًا تدريجيًا في الإصلاح.
فالمسار المغربي، حسب الدراسة، “لا يستنسخ النماذج، بل يستوعبها ضمن منطق التدرج والملاءمة مع السياق الوطني".
ويؤكد الباحثان أن الانتخابات المقبلة ستكون اختبارًا لمستوى هذا التدرج: هل سينتقل المغرب من إدارة انتخابية مراقَبة إلى إدارة انتخابية مستقلة؟ وهل سيستطيع القانون تحويل الثقة إلى ثقافة سياسية جديدة؟
ويخلصان إلى أن الإصلاح الانتخابي بالمغرب يشكّل “مختبرًا ديمقراطيًا مفتوحًا” يحاول الجمع بين روح التجربة الأوروبية والخصوصية السياسية المغربية في آن واحد.