لم يكن مصطفى سلمى ولد سيدي مولود، قائد شرطة سابق لجبهة البوليساريو، مجرد عنصر عادي داخل البوليساريو، بل كان أحد مسؤوليها الأمنيين الكبار في المجال الجنائي، وواحدا من أبناء قبيلة الركيبات، وتحديدا من فخذ "الأوبهة"، الذي يمثل أكثر من ربع هذه القبيلة ذات الثقل داخل المخيمات. لكن ذلك لم يشفع له حين عاد إلى تندوف حاملا رأيا مخالفا. فقد جرى اعتقاله عند مشارف المخيمات، قبل أن تطأ قدماه أرضها، فقط لأنه غير قناعته بشأن مبادرة الحكم الذاتي المغربية.
في حوار له مع مجموعة "تيلكيل" أجراه كل من أحمد مدياني وياسين مجدي، يحكي ولد سيدي مولود عن خلفيات هذا الاعتقال، ويسلط الضوء على طبيعة السلطة داخل المخيمات، حيث يقول "لفهم ما حدث، يجب أن تعرف بنية البوليساريو. هي كيان لا يُبنى على مؤسسات، بل على الانتماء القبلي. لا توجد أحزاب ولا تيارات. هي سلطة موزعة وفق الولاءات القبلية. أنا أنتمي لقبيلة "الرقيبات" القوية، وتحديدا لفخذ "الأوبهة" (أكثر من ربع الرقيبات)؛ لذلك كان وزني القبلي مُؤثرا".
ويشير إلى منصبه الحساس داخل الجبهة، وما سببه من ارتباك لدى القيادة حين قرر التعبير عن رأيه "كنت المسؤول الأمني رقم واحد في الاختصاص الجنائي في البوليساريو؛ أي أن من سيحققون معي، أقل رتبة وخبرة مني. ولم يكن هناك أي سبب قانوني لاعتقالي، فموقفي لم يكن جريمة بل رأيا سياسيا".
هكذا، وجدت البوليساريو نفسها أمام مأزق داخلي غير مسبوق، كما يوضح، "هذا الوضع أوقعهم في حرج، شخص خبير أمني رفيع المستوى ينتمي إلى أكبر عائلة في المخيمات، والتهمة مجرد رأي سياسي لا يمكن تأطيره قانونيا".
وتابع قائد الشرطة السابق لجبهة البوليساريو قائلا: "لكن الإشكال الأكبر لم يكن في موقفي، بل في هويتي؛ لأن انتقال هذا الرأي إلى أكبر قبيلة في المخيمات كان بمثابة "فيروس خطير" يهدد السردية الرسمية للبوليساريو".
ويؤكد ولدي سيدي مولود أن ما يهدد البوليساريو فعليا ليس المقالات أو التصريحات، بل اللقاءات المباشرة التي تؤثر في قناعات الناس، حيث قال: "كنت أتمتع بمصداقية داخل عائلتي، والناس كانوا يثقون بي. لكن نحن مجتمع لا يؤمن بالتواصل غير المباشر. في بيئة بدائية، لا يُؤخذ بالراديو أو الإنترنت، بل بالكلمة وجها لوجه. البوليساريو استبقتني واتهمتني أمام الناس، وقالت إنني جئت لأقنعهم بالحكم الذاتي. أغلبهم لا يعرف حتى ما معنى الحكم الذاتي، لكنهم رفضوه لأن البوليساريو قالت إنه خيانة".
لم يسمح لولد سيدي مولود بالتواصل مع سكان المخيمات بعد عودته، بل تم اعتقاله، ويحكي في هذا السياق قائلا: "أوقفوني في الطريق، واعتقلوني في المنطقة العازلة قبل وصولي إلى المخيمات بـ400 كيلومتر تقريبا. كانوا يدركون أنني إذا تحدثت إلى الناس، فسأقنعهم. لم أكن أحمل سلاحا، ولا جئت بهوية جديدة، أنا نفس الشخص، فقط غيرت قناعتي. وهذه القناعة الجديدة مبنية على معطيات موضوعية، ولو شرحتها لأي شخص هناك، لفهم واقتنع".
ويشير إلى الرعب الذي تملّك قيادة البوليساريو من مجرد احتمال انتقال الفكرة، عبر قوله "كان من المستحيل أن يسمحوا لي بدخول المخيمات. كانوا مستعدين لفعل أي شيء من أجل منعي من الدخول؛ لأن دخولي كان سيشكل انفجارا داخليا لا يستطيعون التحكم فيه".