صادق مجلس الحكومة، الخميس، على مشروع القانون المتعلق بالمندوبية السامية للتخطيط، في خطوة تفتح الباب أمام أكبر إصلاح تشهده هذه المؤسسة منذ إحداثها، بعدما منحها المشروع وضعا جديدا كهيئة دستورية مستقلة تتمتع بالاستقلال الإداري والمالي، مع توسيع غير مسبوق لاختصاصاتها وصلاحيات مسؤوليها، وعلى رأسهم المندوب السامي للتخطيط، الذي سيصبح صاحب سلطات تنفيذية واسعة داخل مؤسسة لم تعد تقتصر على إنتاج الإحصائيات، بل ستتولى أيضا تقييم السياسات العمومية، ومواكبة تنفيذها، وإعداد السيناريوهات الاقتصادية، واستشراف التحولات الكبرى التي تعرفها البلاد.
ويظهر من مشروع القانون، الذي يأتي تنفيذا للتوجيهات الملكية الواردة في خطاب افتتاح البرلمان في 8 أكتوبر 2021، أن الحكومة اختارت إعادة بناء المندوبية السامية للتخطيط من الأساس، سواء من حيث طبيعتها القانونية أو هندستها التنظيمية أو توزيع الاختصاصات داخلها، إذ تتحول إلى شخص اعتباري خاضع للقانون العام يتمتع بالاستقلال الإداري والمالي، ويضطلع، إلى جانب إنتاج ونشر المعلومة الإحصائية وإعداد الحسابات الوطنية والجهوية والقطاعية، بمهمة التنسيق الاستراتيجي لسياسات التنمية، بما يشمل تقييم أثرها الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، وإعداد الدراسات الاستشرافية، وتتبع تنفيذ النموذج التنموي الجديد وأهداف التنمية المستدامة.
وفي قلب هذه الهندسة الجديدة، يضع المشروع المندوب السامي للتخطيط في موقع أقرب إلى رئيس مؤسسة دستورية مستقلة، بعدما منحه صلاحيات واسعة في التسيير والإدارة والتمثيل القانوني. فالمندوب السامي، الذي يعين بظهير لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة، يصبح مسؤولا عن تدبير جميع شؤون المؤسسة، وتنفيذ مقررات اللجنة المديرية، وإعداد برنامج العمل والميزانية، واقتراح الهيكل التنظيمي، والتوقيع على اتفاقيات الشراكة والتعاون، وتمثيل المندوبية أمام الدولة والهيئات الوطنية والدولية، والتقاضي باسمها، مع إمكانية تفويض جزء من سلطاته إلى المسؤولين التابعين له. كما يتولى ضمان أمن قواعد البيانات الإحصائية والإشراف على التكامل بين إنتاج الإحصاءات وتقييم السياسات العمومية، قبل أن يرفع تقريرا سنويا عن أنشطة المؤسسة إلى الملك، بعد مصادقة اللجنة المديرية عليه، مع إحالته أيضا على رئيس الحكومة ورئيسي مجلسي البرلمان ليكون موضوع مناقشة برلمانية.
ولا يمنح المشروع السلطة للمندوب السامي وحده، بل ينشئ لجنة مديرية تتحول فعليا إلى مجلس إدارة للمندوبية، تضم إلى جانب رئيسها رؤساء الأقطاب الجديدة وخبراء وممثلين عن الإدارة وأعضاء يعينهم المندوب السامي، وتتكلف برسم التوجهات العامة للمؤسسة، واعتماد أولوياتها، والمصادقة على ميزانيتها وحساباتها وهيكلها التنظيمي ونظامها الداخلي، إلى جانب المصادقة على اتفاقيات الشراكة، وتحديد أسعار الخدمات، والبت في اقتناء العقارات أو تفويتها، وقبول الهبات والوصايا، واعتماد التقرير السنوي، وهو ما يجعلها صاحبة القرار في مختلف الخيارات الاستراتيجية للمؤسسة.