الخباز يكشف لـ"تيلكيل عربي" عن أول GPS مغربي لتتبع أداء اللاعبين وحمايتهم من الإصابات

أمينة مودن

في ظل سعي كرة القدم المغربية إلى تطوير الأداء ورفع مستوى اللاعبين يبرز، اليوم، ياسين الخباز، الشاب المغربي الذي أطلق أول نظام GPS مغربي لتتبع الأداء الرياضي تحت اسم ADAA Scouting.

هذا النظام لا يقتصر على قياس المسافات أو السرعات، بل يقدم تحليلا دقيقا للأداء البدني والتكتيكي لكل لاعب، ويساعد الأطقم التقنية للأندية على اتخاذ قرارات علمية دقيقة سواء خلال التدريبات أو المباريات.

وبخصوص كيفية مساهمة التكنولوجيا في حماية اللاعبين من الإصابات وتحسين أدائهم، كشف الخباز في حوار مطول مع "تيلكيل عربي"، أن الخوارزميات تنبئ بمخاطر الإصابات قبل حدوثها، وتساعد الطاقم التقني على تعديل البرنامج التدريبي في الوقت المناسب، بحيث يكون اللاعب جاهزا ومحميا بشكل أفضل خلال الموسم.

في هذا الحوار يكشف الخباز رؤيته حول دمج التكنولوجيا مع خبرة الأطقم التقنية المغربية، وكيف يمكن للمشروع أن يرفع من مستوى كرة القدم الوطنية ويجعلها قوة منافسة على الصعيدين الإفريقي والدولي.

أنتم اليوم تقدمون أول "علامة مغربية" في تكنولوجيا تتبع الأداء الرياضي، فهل كان الهدف مجرد ابتكار منتوج محلي، أم أن هناك رؤية أوسع من ذلك؟

الغاية من ابتكار أول علامة مغربية في تكنولوجيا تتبع الأداء لم تكن مجرد إنتاج جهاز محلي، بقدر ما كانت استجابة لحاجة حقيقية داخل المنظومة الكروية الوطنية.

فبعد ملاحظات ودراسة معمقة، طرحنا مجموعة من الأسئلة الجوهرية، أبرزها كان: لماذا لا نرى حضورا وازنا للاعب المحلي مع المنتخب الوطني مثلا؟ ولماذا لا نشهد انتقالات كثيرة من الدوري المغربي نحو الدوريات الخمس الكبرى؟

ولماذا تغيب البيانات الفورية عن النقل التلفزيوني للمباريات؟ في وقت نلاحظ أن القنوات العالمية سبقتنا بخطوات كبيرة.

ومن بين الأسئلة التي دفعتنا إلى ابتكار المنتوج كانت: ما الأسباب التي تمنع المواهب الشابة من التألق رفقة الفريق الأول؟

وكيف يمكننا، كبلد وكأندية، تحويل هذه المواهب إلى استثمارات حقيقية تضمن الاستمرارية والعائد المادي؟

هذه التساؤلات شكلت نقطة الانطلاق التي حفزتنا على خلق مشروع تكنولوجي بطابع مغربي خالص، يجمع بين الابتكار والمعرفة الميدانية، ويحمل في جوهره الحمض المغربي (ADN مغربي) في التفكير والتنفيذ.

كيف تعمل منظومة الـGPS التي طورتموها، وما أبرز البيانات التي تجمعها من اللاعبين أثناء التدريبات أو المباريات؟

جهاز الـGPS الذي طورناه، والموجّه لتتبع أداء اللاعبين، ليس مجرد نظام تحديد مواقع عادي مثل الموجود في الهواتف أو السيارات، بل هو منظومة متكاملة تضم مجموعة من التقنيات الدقيقة، تهدف إلى جمع وتحليل بيانات شاملة حول الأداء البدني والتكتيكي لكل لاعب على حدة.

وطريقة عمل المنظومة تمر بعدة مراحل مترابطة، ففي البداية يضع اللاعب الجهاز داخل سترة خاصة (Vest) بين الكتفين، لكي يقوم الجهاز بالتقاط موقعه بترددات عالية جدا أثناء التحرك في الملعب.

الحساسات تسجل أدق تفاصيل الحركة، من بينها السرعة اللحظية، والتسارع والتباطؤ، وتغييرات الاتجاه مثل القفز والهبوط، ليتم دمج جميع البيانات وفق تقنية Sensor Fusion للحصول على نتائج عالية الدقة.

ثم ترسل المعطيات أو تُحمل مباشرة على البرنامج الخاص بالتحليل، بهدف تحويل هذه البيانات إلى تقارير مفصلة موجهة للمدرب والطاقم التقني.

أما المؤشرات المستخرجة فتضم عدة فئات رئيسية، من بينها المؤشرات البدنية (Physical Metrics)، والمسافة الإجمالية (Total Distance)، والمسافة في الدقيقة (Distance per Minute)، ثم مسافة الجري بسرعة عالية (High-Speed Distance)، وأخيرا مسافة الجري بسرعات عالية جدا (Very High-Speed Distance).

وسأعطي بعض الأمثلة فقط عن الدور الذي تلعبه هاته السترة، من بينها حساب السرعة القصوى والمتوسطة، وأقصى سرعة مسجلة (Peak Velocity)، والركض عالي الشدة، ومسافات المشي والهرولة، ومؤشرات التسارع والتباطؤ، إضافة إلى مؤشرات اللياقة والجهد والإرهاق، والطاقة المستهلكة، وخريطة التمركز.

وبفضلها يمكن، أيضا، تتبع الموقع داخل الملعب (Positional Tracking)، والمسافة المقطوعة في كل منطقة منه، ومعدل ضربات القلب والوقت داخل مناطق النبض المختلفة.

وبهذا، لا يقتصر الجهاز على تتبع المسافات أو السرعات، بل يقدم صورة شاملة عن الأداء البدني، والجاهزية، والإجهاد، ما يتيح للأطقم التقنية اتخاذ قرارات علمية دقيقة تخص التدريب، الجاهزية، وحتى الوقاية من الإصابات.

ما الذي يميز جهازكم عن المنتجات العالمية مثل Catapult أو غيرها؟ وأين تتجلى "البصمة المغربية" في المشروع؟

بكل صراحة، لا أحب الدخول في مقارنات مباشرة مع الشركات الأخرى، لكن ما يمكنني قوله هو أننا لا نعتبر أنفسنا مجرد بائعين للأجهزة، بل شركاء حقيقيين في تطوير الأداء الرياضي.

فنحن نعمل جنبا إلى جنب مع الأطقم التقنية في الأندية، من خلال متابعة دائمة وإرسال تقارير يومية دقيقة حول أداء اللاعبين، مما يجعلنا جزءا من المنظومة التدريبية وليس مجرد مزود بالتجهيزات.

إلى جانب ذلك، نوفر للأندية الوطنية خدمات مرافقة متكاملة، لأن بيع الأجهزة وحده لا يحقق هدفنا الأساسي، وهو الارتقاء باللاعب المغربي إلى أعلى المستويات، وجعل الرياضة الوطنية رافعة حقيقية للاستثمار والتنمية.

كما نؤمن بأهمية الاستمرارية والدعم التقني، لذلك نخصص فريقا من التقنيين المتخصصين للتدخل الفوري في عين المكان عند حدوث أي أعطال أو مشاكل تقنية، بما يضمن اشتغال الأجهزة بأفضل أداء ممكن دون انقطاع.

بما أن التكنولوجيا التي طورتموها تجمع بيانات دقيقة حول مجهود اللاعب، هل تعتمدون على خوارزميات للتنبؤ بالإصابات قبل وقوعها؟

بطبيعة الحال، نعم، لدينا خوارزميات خاصة تستخدم للتنبؤ بمخاطر الإصابات قبل حدوثها، وهو ما يميز هاته التكنولوجيا الحديثة.

في المغرب، لا تزال العديد من الأندية لا تعتمد على المعطيات الرقمية، فهل المشكلة في العقليات، أم في تكلفة المعدات الذكية، أو أشياء أخرى؟

فعلا، كل الإكراهات التي ذكرتها حاضرة على أرض الواقع.

هناك، أولا، العقلية التقليدية التي ما زالت تعتمد على "الكرونو والصفارة"، وترى في التكنولوجيا مجرد أداة قد تكشف محدودية المعرفة أو طرق العمل القديمة، بدل أن تعتبرها وسيلة للتطوير والتحسين.

ثم هناك عامل التكلفة، وهو إشكال حقيقي بالنسبة إلى بعض الأندية الوطنية في القسمين الأول والثاني، وهو ما دفعنا إلى التفكير في التصنيع المحلي لتقديم منتوج ذي جودة عالية وبسعر مناسب لجميع الفرق الوطنية.

لكن أكبر عائق اليوم، من وجهة نظري، هو غياب الكفاءات المتخصصة في تحليل البيانات الرياضية، أو يمكن القول إنها نادرة جدا.

فالكثيرون يخلطون بين تحليل الأداء عبر "الفيديو" وتحليل البيانات الرقمية، رغم أن المجالين مختلفان تماما، ولهذا السبب طرقنا باب عدد من معاهد مهن الرياضة من أجل خلق تخصص أكاديمي جديد في هذا المجال.

غياب هؤلاء المتخصصين يضطر الأندية إلى الاستعانة بمحللين أجانب، ما يضيف عبئا ماليا إضافيا على ميزانيتها، علاوة على أن قلة التقنيين المؤهلين للتعامل مع الأعطاب التقنية وحلها بسرعة تظل بدورها من التحديات التي نسعى إلى تجاوزها.

وسأقولها مرة أخرى، البيانات وحدها لا تكفي، بل تحتاج إلى تحليل ذكي وفعال حتى تتحول إلى قيمة مضافة حقيقية تخدم اللاعب والفريق في الوقت ذاته.

من خلال التجارب التي أجريتموها، ما أبرز الأخطاء الشائعة في التدريبات التي تؤدي إلى الإصابات؟ وكيف يمكن للتكنولوجيا أن تساهم في تفاديها؟

الملاحظة الأولى، والتي تعد بالنسبة إلي أحد أكثر الأخطاء شيوعا خصوصا خلال فترات الإعداد، هي الاعتماد المفرط على التمارين عالية الشدة بدافع "شحن اللاعبين" وتحضيرهم للمنافسات في وقت قصير.

هذا الأسلوب، ورغم أنه يبدو عمليا، لا يمنح الجسم فترات الراحة الضرورية، ما يؤدي غالبا إلى تكرار الإصابات مع بداية كل موسم كروي.

أما الخطأ الثاني، فيتمثل في الاعتماد على تمارين تعتبر ظاهريا منخفضة الشدة مثل الألعاب المصغرة (jeux réduits)، لكنها في الواقع، ورغم قصر المسافة، تمارين ذات كثافة عالية جدا، خصوصا عندما تبرمج في الأيام القليلة التي تسبق المباراة.

فالنتيجة تكون أن اللاعبين يدخلون اللقاء بحالة من الإرهاق العضلي والذهني، مما ينعكس سلبا على أدائهم داخل الملعب.

ولهذا، فالمعادلة الحقيقية ليست في كثافة العمل فقط، بل في ذكاء توزيع الأحمال، وفي معرفة متى يجب الدفع ومتى ينبغي التخفيف، لأن التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع الفارق في جاهزية اللاعب ونتائج الفريق ككل.

اليوم، أصبح الحديث عن الذكاء الاصطناعي في كرة القدم يروج كثيرا، برأيكم كيف يمكن توظيفه لخدمة كرة القدم المغربية وخصوصياتها؟

أصبح الذكاء الاصطناعي اليوم واحدا من أقوى الأدوات التي تطور الكثير من المجالات، ومن بينها الرياضة، وخصوصا كرة القدم.

إنه يتيح لنا تحليل بيانات اللاعبين وحركاتهم بسرعة ودقة عالية، كما يمكنه تنبيه الطاقم التقني عند وجود إرهاق شديد أو خلل في الخطة المرسومة.

هذه القدرة تساعد الطاقم التقني على اتخاذ القرارات في الوقت الفعلي خلال المباريات، بما يمكن الفريق من تفادي الهزيمة والسعي لتحقيق نتائج إيجابية.

كما يتيح الذكاء الاصطناعي مقارنة اللاعبين بمعايير عالمية دولية، واقتراح برامج تدريبية مخصصة تهدف إلى رفع مستوى جودة اللاعبين وتحسين أدائهم الفردي والجماعي.

عند تعاونكم مع فرق كرة القدم، ما التحدي الأكبر الذي تواجهونه في إدماج هذا النوع من التكنولوجيا داخل المنظومة التقنية؟

من بين التحديات الكبرى التي نواجهها، بعد استلام مستحقاتنا (مازحا)، إقناع اللاعبين بأن الجهاز ليس مراقبا لهم لتصيد الأخطاء، بل صديقا يساعدهم على معرفة مستواهم الحقيقي، ومواكبتهم.

فدوره الأساسي هو تمكين الطاقم التقني من تحديد نقاط القوة والضعف بدقة، وبالتالي وضع تمارين مخصصة لكل لاعب بهدف رفع مستواه وليس لمحاسبته.

الأمر نفسه ينطبق على المعدين البدنيين، خصوصا الجيل الذي لم يبدأ مساره المهني باستخدام التكنولوجيا، فالجهاز يساعدهم على تحديد نقاط الضعف لدى اللاعبين وتحقيق نتائج فعالة في وقت وجيز.

كما أن هدفنا هو تدريبهم ومرافقتهم حتى يتمكنوا من دمج خبرتهم العملية مع التكنولوجيا، لضمان الوصول إلى أفضل النتائج الممكنة خلال المنافسات الكروية.

هل تلاحظون وجود مقاومة ثقافية أو إدارية مثلا، داخل بعض الأندية المغربية تجاه اعتماد التكنولوجيا والبيانات، وكيف تتعاملون مع ذلك؟

أعتقد أن المقاومة الموجودة ترجع في المقام الأول إلى قلة المعرفة بأهمية التكنولوجيا في كرة القدم والهدف من استخدامها. خاصة في ظل التنافس الشديد الذي لا يمنح الأندية وقتا لتجربة أدوات جديدة قبل الاعتماد عليها.

لهذا السبب، نقوم بإجراء تجارب ميدانية مع الأندية، لنمنحها الفرصة لاكتشاف الأجهزة، والتعرف على التقارير التي ترصدها، وفهم كيفية تحويل البيانات إلى برامج تدريبية.

كما نحرص على مرافقتهم خلال جميع المراحل قبل الاعتماد الرسمي للأجهزة، لضمان فهمهم الكامل لكيفية الاستفادة منها بالشكل الأمثل، وتسخير المؤشرات المستخرجة لتطوير اللعبة في هذا الفريق أو ذاك.

هل يتقبل اللاعب المغربي اليوم بسهولة فكرة "الرقمنة" في التدريبات، والتي قد تضع حدا لأي تهاون أو تقصير في الأداء؟

من منظوري الخاص، اللاعب المغربي مجتهد بطبيعته رغم كل ما يقال عنه.

في البداية، قد يرفض استخدام التكنولوجيا بسبب قلة معرفته بها، لكن بمجرد أن يفهم الهدف وطريقة الاستخدام، يبدأ بالاهتمام بها وتزداد رغبته في متابعة التقارير لمعرفة كيف يمكنها أن تساعده على تطوير مستواه.

هذا الاهتمام طبيعي، لأن غالبية اللاعبين يطمحون للعب في أندية كبيرة والانضمام للمنتخب الوطني، والتكنولوجيا تساعدهم على الوصول إلى هذا الهدف من خلال تطوير أدائهم بشكل علمي ومدروس.

كيف ترون فرص تصدير هذه التكنولوجيا إلى بلدان إفريقية؟ وهل يمكن أن تصبح فعلا "علامة مغربية" قادرة على منافسة الشركات الأوروبية مستقبلا؟

أعتقد أن المؤسسات في القارة السمراء تثق بشكل كبير في كل ما هو مغربي، وغالبا ما تفضله على المنتجات الأوروبية لأسباب متعددة، وهذا يمنحنا فرصا كبيرة للتوسع في السوق الإفريقي كما هو محدد في خارطة الطريق الخاصة بنا.

وبفضل خبرتنا في مجال الابتكار التكنولوجي بشكل عام، وفي تكنولوجيا الرياضة بشكل خاص، ومع الكفاءات المغربية المتميزة، نحن عازمون على إيصال علامتنا التجارية إلى العالمية إن شاء الله، وكسر الصورة النمطية المتعلقة بالمنتوج الأجنبي.

هل يمكن أن تصبح هذه التكنولوجيا في المستقبل عنصرا أساسيا في اختيار لاعبي المنتخبات الوطنية، وتساعد الأطقم الفنية على اتخاذ قراراتها بناء على معطيات دقيقة؟

بالتأكيد، التكنولوجيا تمثل عنصرا أساسيا في اتخاذ القرارات بصفة عامة. في ما يخص اختيار اللاعبين للمنتخب، فهذا القرار يخضع لعدة معايير، منها ما هو موضوعي يعتمد على البيانات مثل الجاهزية البدنية، ومنها ما هو تقديري حسب رؤية المدرب وخبرته.

لذلك، ما يمكن قوله هو أن التكنولوجيا تساعد الإدارة التقنية في حسم الاختيار من خلال الاعتماد على المعطيات الملموسة التي توفرها، مما يجعل القرار أكثر دقة وموضوعية، مع الاحتفاظ بالطابع البشري في التقييم النهائي.