الزايدي: السمنة والسرطان "أمراض سياسية" وعلينا مقاومة "الاستهلاك القسري"

الزايدي
محمد فرنان

اعتبر الكاتب والفاعل الجمعوي عمر الزايدي أن الأزمة الإيكولوجية التي يمر بها العالم اليوم ليست سوى "عرض لمرض أعظم"، يكمن في نمط الإنتاج والاستهلاك البشري المتوحش، وأن البشرية تحولت في ظل النظام العالمي الحالي إلى "آلة للتخريب"، حيث تستنزف ثروات الأرض ولا تقدم للطبيعة في المقابل سوى النفايات.

جاء ذلك خلال لقاء أكاديمي نظمه ماستر "القانون والمجتمع والنوع الاجتماعي" بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، خصصت لقراءة في كتابه "إيديولوجيات الخوف والانهيار العالمي"، أمس الجمعة، بتسيير من الخبيرة الأممية، وأستاذة زائرة، لبنى الحسيني، بحضور نخبة من الأساتذة والطلبة الباحثين، تحت تأطير الأستاذ الجامعي، جمال فزة، منسق الماستر.

الاستهلاك القسري

شخص الزايدي الخلل البنيوي في النظام الاقتصادي العالمي واصفا إياه بـ "الاقتصاد الخطي"، ويرتكز هذا النظام على دورة مدمرة تبدأ باستخراج الثروات، ثم معالجتها وتصنيعها، تليها مرحلة الاستهلاك، وتنتهي حتما بتحويلها إلى نفايات.

انتقد الزايدي بشدة ما أسماه "الاستهلاك القسري"، وهو نمط مدفوع بالإعلانات والضغط الاجتماعي الذي يجبر الأفراد على التخلص من أشياء لا تزال صالحة للاستعمال لمجرد ملاحقة "الموديلات" الجديدة.

واستدل على ذلك بسباق الهواتف الذكية (مثل الأيفون)، والسيارات، واللباس، معتبرا أن هذا النوع من الاستهلاك ليس تلبية لحاجة حقيقية بل هو خضوع لآلة "الإنتاجوية المتوحشة" التي تستنزف الفرشة المائية والتربة.

وربط الزايدي بين أنماط الاستهلاك الغذائي المعاصرة وما وصفه ب "الأمراض السياسية"، ويرى أن انتشار السمنة، والسرطان، وأمراض القلب والشرايين ليس قدرا طبيا مححضا، بل هو نتيجة لقرارات وتوجهات اقتصادية كبرى تروج لمواد غذائية مضرة بالصحة لتحقيق الأرباح.

تجربة شخصية

قدم الزايدي تجربته الشخصية كنموذج للمقاومة ضد ثقافة الاستهلاك المفرط، كاشفا عن توقفه عن أكل اللحوم لمدة 11 عاما، منتقدا الثقافة التي تربط الوجاهة الاجتماعية باستهلاك اللحوم، مؤكدا أن طريقة تربية المواشي على المستوى الصناعي العالمي تستنزف الموارد البيئية بشكل مرعب.

واعتبر أن التخلي عن هذه الأنماط هو "مهمة وجودية" لحماية مستقبل الأجيال القادمة.

النزعة الاستهلاكية اللامتناهية

أوضح الزايدي أن القوى المهيمنة عالميا، سواء كانت نيوليبرالية أو سيادية، تجد مصلحتها في تشجيع "النزعة الاستهلاكية اللامتناهية" كوقود لاستمرار هيمنتها المالية.

وأشار إلى أن هذه القوى تحارب أي قرارات بيئية قد تحد من وتيرة الاستهلاك، حتى لو أدى ذلك إلى تجاوز الخطوط الحمراء للمناخ، مثل عتبة 1.5 درجة التي بدأت البشرية تتخطاها فعليا.

أوضح الزايدي أن البشرية غادرت عصر "الهولوسين" الذي اتسم باستقرار المناخ وتوالي الفصول لـ 113 مليون سنة، لتدخل عصر "الأنثروبوسين" (Anthropocene)، وهو العصر الذي أصبح فيه الإنسان هو المؤثر الأول في جيولوجيا الأرض.

اضطراب مناخي

وحذر من أن هذا التحول أدى إلى "لخبطة" شاملة في انتظام الفصول، مستشهدا بما شهدته مناطق الشمال مؤخرا من فيضانات وتساقطات غير مسبوقة في ظرف وجيز، معتبرا إياها مؤشرات على اضطراب مناخي "غير عادي".

وأبرز الزايدي أن الانهيار ليس بيئيا فحسب، بل هو "انهيار منظومة"، فمن الناحية المالية، تعيش الأسواق على "مالية وهمية" لا علاقة لها بالاقتصاد الفعلي، ومن الناحية السياسية، تمر الديمقراطيات التمثيلية بأزمة حادة حيث لا تحترم نتائج الصناديق أحيانا.

وأشار إلى "انهيار القيم" الذي يتجلى في ازدواجية المعايير تجاه الأزمات الإنسانية كما يحدث في غزة.

إيديولوجيات الخوف

وصنف الكاتب عمر الزايدي "إيديولوجيات الخوف" إلى ثلاثة مستويات متداخلة، يتمثل المستوى الأول في النيوليبرالية، التي تشرعن الاحتكار وتخلق نوعا من "الإرهاب الفكري" لإخضاع الشعوب الفقيرة ودفعها للاستسلام.

أما المستوى الثاني فيضم الإيديولوجيات الدينية المتطرفة، التي تجمع -رغم اختلافاتها الظاهرية- بين الصهيونية العالمية واليمين الإنجيلي في أمريكا والتيارات التكفيرية، وهي قوى تتقاطع جميعا في ترهيب "الآخر" وإقصائه.

وفي المستوى الثالث، تبرز التيارات السيادية (مثل "الترامبية" في أمريكا وأوروبا)، وهي تيارات تحارب المهاجرين وتعرقل أي قرارات إيكولوجية لحماية الكوكب بهدف الحفاظ على "الإنتاجوية المتوحشة".