المؤرخ جبرون: العقلانية المتطرفة سبب الخراب و"المخدر الجديد" يتجاوز تأثير الحشيش

محمد فرنان

أكد المؤرخ المغربي محمد جبرون أن الإنسان المعاصر لم يعد حلا لأزمات العالم كما يروج، بل أصبح هو "المشكلة" الجوهرية التي تقف وراء الحروب والكوارث البيئية والأزمات السياسية التي يشهدها العالم.

جاءت مداخلة جبرون خلال مشاركته في الندوة الختامية لمهرجان "ثويزا" بطنجة، الأحد المنصرم، التي حملت شعار "الإنسان هو الحل" وأدارها المفكر أحمد عصيد، بمشاركة الفيلسوف محمد المصباحي والسوسيولوجي الطاهر لبيب.

ودعا جبرون إلى إعادة بناء منظومة القيم العالمية بالانتقال من منطق "أخلاق القوة" إلى "قوة الأخلاق"، محذرا من أخطار ما وصفه بـ"العقلانية المتطرفة" المنبثقة من إرث التنوير.

وانطلق جبرون من التشكيك في الفرضية المتفائلة للندوة، ورسم صورة قاتمة للواقع المعاصر، مبرزا أنه "الآن ونحن ننظر إلى حال عالمنا، حرب أوكرانيا، التراجعات الديمقراطية، الصراعات الهوياتية، الكارثة التي لم يسبق أن عشناها في التاريخ في غزة".

وأشار الأستاذ الجامعي إلى أن "هذه الصور السوداء التي نعيش عليها يوميا في الأخبار تجعلنا نعيد النظر في هذا السؤال، هل الإنسان هو الحل أم الإنسان هو المشكلة؟".

وأضاف موضحا أن "وراء كل هذه الصور السوداء إنسان، من الذي اتخذ قرار الحرب؟ من الذي يدمر البيئة؟ من الذي يمارس الميز العنصري؟ إنه الإنسان في نهاية المطاف".

لكن هذا الإنسان، بحسب جبرون، لا يتصرف من فراغ، بل يستند إلى مرجعية فكرية محددة تمثل جوهر المرض.

وأفاد أنه "أعتقد بأننا ونحن نفكر في إنسان اليوم، نعاني من أصولية مرتبطة بالعقلانية المتطرفة التي تقدس الجشع، والتي لا تتردد في أن تقتبس من القوة الأخلاق، اليوم، الحق ليس قيمة مثالية مجردة عن القوة، الذي يمتلك القوة هو الذي يمتلك الحق".

وضرب مثالا على ذلك، حين قوله: "عندما ننظر إلى كيف تشتغل المؤسسات الدولية وكيف يتخذ القرار الدولي على مستوى الأمم المتحدة، من الذي يمتلك حق الفيتو؟ ليس الخير، ليست القيم، ليست العدالة، الذي يمتلك الفيتو هو الذي يمتلك القوة".

وانتقد بشكل مباشر إرث التنوير، مشيرا إلى أنه "فلسفة التنوير، الأخوة والكرامة وحقوق الإنسان، هذه الشعارات الجميلة، ولكن هل كانت شعارات لكل الإنسان أم لبعض الإنسان؟ هي شعارات لبعض الإنسان وليس لكل الإنسان".

واعتبر أن ما يجري في فلسطين اليوم هو "تجسيد لأخلاق القوة"، منتقدا بشدة مواقف بعض أبرز وجوه الفكر الغربي المعاصر الذين صمتوا أو برروا ما يحدث، ولفت الانتباه في هذا الصدد أنه "لا أستوعب، لا أفهم مع عقلانية هابرماس وعدد من المثقفين الألمان كيف يبررون ويكتبون وبكل صلافة حول ما يجري من إبادة في فلسطين".

وفي مواجهة هذا الواقع، شدد جبرون على ضرورة القيام بثورة قيمية، معتبرا أن الحل يكمن في قلب المعادلة، فـ"بدل أن نعيش بأخلاق القوة، يجب أن نقلب المعادلة لنعيش بقوة الأخلاق".

وحث على أن تكون "للجنوب ومثقفي الجنوب الشجاعة والجرأة ليثقوا في أنفسهم ويقدموا للعالم خبرتهم، والجنوب بما فيه الشرق الممتد من المغرب إلى آسيا، الذي ننتمي إليه مشبع بالقيم، هو مهد القيم".

وفي سياق متصل، حذر جبرون من الأدوات التكنولوجية التي تستخدمها المنظومة الحالية لتكريس غياب القيم، معتبرا وسائل التواصل الاجتماعي "المخدر الجديد"، مشيرا إلى أنه "عندما يأخذ طفلي أو ابني الهاتف بين يديه، قد يقضي ثلاث ساعات مغيبا يجول في وسائل التواصل الاجتماعي، مقاطع موسيقى، فكاهة، نكت فارغة، جنس، دين، لا يقوى على فعل هذا الأمر إلا المخدر، والمخدر الذي نعرفه، سواء كان حشيشا أو غيره، مدته أقل من مفعول هذا النوع من المخدر الجديد الذي بين أيدي أبنائنا".

وتوقف عند خطورة الذكاء الاصطناعي الذي قد يتخذ قرارات حربية دون أي اعتبار "للمقاييس الأخلاقية"، موضحا فكرته قائلا: "عندما يكون الإنسان هو من سيقصف أو يستهدف هدفا معينا، قد يتبين له في تلك اللحظة أن هناك عشرة أشخاص أو عشرين طفلا يلعبون في المكان المستهدف، فيتردد ويؤجل تنفيذ القرار قائلا، لكن الذكاء الاصطناعي لا يمتلك هذه المقاييس الأخلاقية، وهذا هو أخطر ما في الأمر".