المغرب في مؤشر حقوق الطفل 2025.. تقدم رقمي يواجه اختبار الواقع

بشرى الردادي

على الرغم من التقدم الملحوظ الذي أحرزه المغرب في الترتيب العالمي لحقوق الطفل، يبقى السؤال الأهم: هل ينعكس هذا التقدم على واقع الطفولة المغربية؟ وهل تكفي المؤشرات الرقمية لرسم صورة عادلة وشاملة عن حياة الأطفال في بلد يتأرجح بين الإصلاحات المؤسسية والتفاوتات الاجتماعية العميقة؟ تقرير مؤشر حقوق الأطفال العالمي لسنة 2025، الصادر عن مؤسسة "كيدس رايتس"، بالتعاون مع جامعة "إيراسموس روتردام" والمعهد الدولي للدراسات الاجتماعية، يسلط الضوء على هذا التناقض بين المكتسبات الرقمية والتحديات البنيوية.

ويعتمد التقرير على خمسة مجالات أساسية؛ هي الحق في الحياة، والصحة، والتعليم، والحماية، وبيئة التمكين، بالإضافة إلى محور مكمّل حول العدالة المناخية، ويستند إلى مؤشرات كمية ونوعية من مصادر دولية؛ مثل "اليونيسف"، ومنظمة الصحة العالمية، والبنك الدولي، ومنظمة العمل الدولية.

ويقدم المؤشر بذلك أداة منهجية تقنية لقياس مدى التزام 193 دولة باتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل، دون أن يغني ذلك عن ضرورة النظر إلى السياق الوطني المحلي.

أداء المغرب.. بين التقدّم الرقمي والهشاشة الواقعية

وحسب التقرير، سجّل المغرب قفزة لافتة بصعوده إلى المرتبة 46 عالميا من بين 193 دولة، بعدما كان في المرتبة 54، عام 2024. هذا التحسن الرقمي يضعه في المرتبة الخامسة إقليميا على مستوى منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بعد قطر، والبحرين، ومصر، والجزائر.

ويعكس هذا التقدّم النسبي أداء جيدا في بعض المجالات، لكنه لا يلغي التفاوتات البنيوية العميقة التي ما زالت تقوّض فرص الطفولة داخل البلاد. فالمؤشر، رغم ما يتسم به من دقة منهجية، يظل أداة كمية لا تعكس بالضرورة تعقيد السياسات الاجتماعية أو فعالية تنفيذها على أرض الواقع.

الصحة والحياة.. مكاسب غير متكافئة

وأظهر التقرير تحسنا في مؤشرات بقاء الأطفال على قيد الحياة، لاسيما انخفاض معدلات وفيات الأطفال دون سن الخامسة، ونجاح المغرب في توسيع نطاق برامج التلقيح الأساسية.

ومع ذلك، فإن هذه المكاسب الصحية تظل موزعة بشكل غير عادل؛ إذ يرصد التقرير تفاوتا واضحا في فرص الحصول على الرعاية الأساسية بين المناطق الحضرية والمناطق القروية؛ حيث ما تزال خدمات الماء الصالح للشرب، والصرف الصحي، والرعاية الوقائية، ضعيفة أو غير متاحة بالشكل الكافي. فالأطفال في القرى والمناطق الجبلية يعانون من صعوبات بنيوية تجعل من الحق في الحياة والنجاة من الأمراض امتيازا جغرافيا أكثر من كونه ضمانة وطنية شاملة.

من جهة أخرى، وبينما يُسجل المغرب أداء مقبولا في مؤشرات الصحة الجسدية، إلا أن الصحة النفسية للأطفال والمراهقين تُعد من أبرز النقاط المظلمة في التقرير. فالمغرب لا يمتلك حتى الآن سياسة وطنية شاملة للصحة النفسية الطفولية، كما يعاني من نقص حاد في عدد الأطباء النفسيين المختصين، وغياب أي دعم مؤسساتي منهجي في المدارس أو المراكز المجتمعية.

ويُفاقم هذا الوضع غياب الخطاب الرسمي الذي يعترف بالحق في الصحة النفسية كعنصر جوهري من منظومة حقوق الطفل، خاصة في ظل انتشار العنف الأسري، وضغوط التعليم، أو الصدمات المرتبطة بالفقر والهشاشة الاجتماعية.

أرقام مشجعة ولكن النوعية مقلقة

وحقق المغرب أعلى نقاطه في المؤشر من خلال نسب التمدرس المرتفعة، لاسيما في التعليم الابتدائي. إلا أن التقرير يسلّط الضوء على تفاوتات بنيوية تُعيق جودة التعليم، خصوصا في القرى والمناطق المهمشة.

وما تزال مؤشرات الهدر المدرسي مرتفعة، خاصة بين الفتيات وفي التعليم الإعدادي والثانوي، بينما تعاني البنية التحتية للعديد من المدارس من التردي، إلى جانب ضعف تكوين المدرسين وغياب التوجيه التربوي المستمر. كما يُسجّل قصور في إدماج مهارات التفكير النقدي، والمواطنة، والتربية على الحقوق داخل المناهج الدراسية؛ ما ينعكس على جودة مخرجات التعلم وعلى تمكين الطفل كفاعل اجتماعي في المستقبل.

أما في مجال الحماية، فعلى الرغم من وجود ترسانة قانونية تجرّم زواج القاصرات، وعمالة الأطفال، والعنف الأسري، إلا أن التقرير يُبرز بوضوح هشاشة تطبيق هذه القوانين. ويتم اللجوء إلى الاستثناءات القانونية للتحايل على الحظر الرسمي، وغالبا ما تكون آليات الرصد والتبليغ غير فعالة، بينما تغيب قواعد البيانات الوطنية الدقيقة التي توثّق حالات الأطفال في وضعية الشارع أو أولئك المحتجزين داخل المؤسسات العقابية برفقة أمهاتهم. هذا الخلل في الرصد والتدخل يجعل الحماية القانونية غير كافية، بل شكلية أحيانا.

تمثيل غائب ومخاطر صامتة

وتبقى بيئة التمكين، التي تقيس مدى إشراك الأطفال في القرارات والسياسات، الحلقة الأضعف في أداء المغرب. فرغم تسجيل بعض التقدم مقارنة بالسنوات السابقة، إلا أن الدولة ما تزال تُخصص تمويلا عموميا محدودا لبرامج الطفولة، كما أن مؤسسات الحماية المستقلة أو الهيئات التشاورية الخاصة بالأطفال تكاد تكون غائبة أو غير فعالة.

ويُشير التقرير إلى غياب سياسة وطنية دامجة تضع الطفل في صلب البرامج التنموية، فضلا عن انعدام أي آليات مؤسسية تتيح للأطفال التعبير عن آرائهم بشكل منتظم أو مؤثر في صياغة السياسات، سواء على المستوى المحلي أو الوطني.

ويُضاف إلى ذلك أن المغرب يعاني من نقص شديد في البيانات الوطنية الدورية عن أوضاع الطفولة؛ ما يُصعّب على صناع القرار تقييم أثر السياسات أو بلورة برامج قائمة على أدلة علمية.

ويبرز التقرير أن مؤشرات الإنفاق العمومي على الأطفال ما تزال ضعيفة، وغالبا ما لا يتم نشر تقارير وطنية مفصلة حول مجالات الصحة، والتعليم، والحماية، أو الفئات الهشة؛ مثل الأطفال ذوي الإعاقة أو الأطفال اللاجئين.

وفي محور العدالة المناخية، الذي توسّع المؤشر في معالجته هذا العام، جاء المغرب في المرتبة 73 عالميا. ويستند هذا الترتيب إلى مؤشرات الأداء البيئي العامة (Environmental Performance Index)؛ حيث أحرز المغرب نقاطا إيجابية بفضل سياساته في الطاقة المتجددة، إلا أن التقرير يُشير إلى غياب بعد الطفولة في هذه السياسات. فالمخاطر البيئية؛ مثل الجفاف، وندرة المياه، وتلوث الهواء في المناطق الحضرية، لا تزال تُشكل تهديدا متناميا للأطفال، دون وجود برامج استهداف بيئي واضح لهم. ولا تتوفر رؤية استراتيجية تُدمج حقوق الطفل في السياسة المناخية، سواء من حيث الوقاية أو التوعية أو التكيّف المجتمعي.

من التصنيف إلى التغيير الفعلي

وعلى الرغم من أن المغرب سجّل تقدما ملموسا في مؤشر حقوق الأطفال العالمي لعام 2025، إلا أن هذا التحسن الرقمي لا يمكن أن يُخفي الفجوات البنيوية التي تعاني منها الطفولة في البلاد. فالأرقام وحدها لا تُترجم بالضرورة إلى تحولات ملموسة في حياة الأطفال؛ ما لم تُدعّم بإرادة سياسية واضحة، وتمويل منصف، وآليات تطبيق فعالة.

وأخيرا، العدالة الطفولية ليست فقط تصنيفا دوليا، بل التزام وطني متجدد نحو مستقبل أكثر إنصافا، يكون فيه كل طفل، أيّا كانت خلفيته أو مجاله الجغرافي، في قلب المشروع التنموي لا على هامشه.