بمشاركة أكاديميين.. معهد ملكي يعيد قراءة تاريخ الكرة المغربية

إدريس التزارني

احتضن المعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب، التابع لأكاديمية المملكة المغربية، أمس الثلاثاء، لقاء علميا حول موضوع البحث التاريخي وكرة القدم في المغرب، بحضور عدد من الباحثين والأكاديميين والمهتمين بتاريخ الرياضة المغربية، في محاولة لإعادة قراءة كرة القدم المغربية من زاوية تاريخية وثقافية تتجاوز بعدها الرياضي التقليدي.

وشكل هذا اللقاء مناسبة لفتح نقاش أكاديمي حول علاقة كرة القدم بتاريخ المغرب الحديث والمعاصر، باعتبارها ظاهرة اجتماعية وثقافية وسياسية رافقت مختلف التحولات التي عاشها المجتمع المغربي، منذ فترة الحماية، وصولا إلى التحولات الراهنة التي جعلت من كرة القدم أحد أبرز عناصر الهوية الجماعية للمغاربة.

وفي كلمة افتتاحية، أكد مدير المعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب، رحال بوبريك، أن تنظيم هذا اللقاء يندرج ضمن توجه أكاديمي يروم توسيع مجالات البحث التاريخي لتشمل مواضيع كانت تعتبر لسنوات خارج دائرة الاهتمام الجامعي، وفي مقدمتها الرياضة وكرة القدم.

وأوضح بوبريك أن كرة القدم ليست مجرد لعبة أو منافسة رياضية، بل أصبحت جزءا من الذاكرة الجماعية للمغاربة، وفضاء يعكس التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية التي عرفها المغرب عبر عقود طويلة، مشيرا إلى أن المقاربة التاريخية تظل ضرورية لفهم كيف تحولت هذه الرياضة من ممارسة محدودة إلى ممارسة شعبية جامعة.

وأضاف أن اللقاء يسعى إلى تشجيع الباحثين على الانفتاح على تاريخ الرياضة المغربية، خاصة في ظل محدودية الدراسات الأكاديمية التي تناولت كرة القدم، رغم حضورها القوي في الحياة اليومية للمغاربة وتأثيرها الكبير على تشكيل الوعي الجماعي والرموز الوطنية.

من جانبه، تناول الباحث عبد الرحيم بورقية، في مداخلته المعنونة بكرة القدم المغربية تاريخ وأساطير وذاكرات جماعية، البعد الرمزي والثقافي لكرة القدم المغربية، معتبرا أن تاريخ اللعبة بالمغرب لا يمكن فصله عن الذاكرة الشعبية التي صنعتها الأندية والمنتخبات والنجوم الكبار.

وأشار بورقية إلى أن كرة القدم المغربية راكمت عبر عقود طويلة أساطير رياضية، تحولت إلى جزء من المخيال الجماعي للمغاربة، سواء من خلال الإنجازات القارية والدولية أو عبر الأسماء التي طبعت ذاكرة الجماهير.

وتوقف بورقية عند الدور الذي لعبته الملاعب والأحياء الشعبية في إنتاج ثقافة كروية خاصة بالمغرب، ساهمت في تعزيز الشعور بالانتماء الجماعي.

وأكد المتدخل أن كرة القدم بالمغرب لعبت أدوارا تتجاوز الرياضة، حيث تحولت في فترات معينة إلى وسيلة للتعبير الاجتماعي والسياسي، وإلى فضاء لإنتاج الرموز الجماعية.

وتناول الباحث مراد زروق، في مداخلته موضوع، نحو كتابة تاريخ كرة القدم المغربية نادي الوداد الرياضي نموذجا، متوقفا عند أهمية البحث في تاريخ الأندية الوطنية.

وأوضح زروق أن تاريخ النادي يعكس جزءا من التحولات السياسية والاجتماعية التي عرفها المغرب خلال القرن العشرين.

وأشار الباحث إلى أن كتابة تاريخ كرة القدم المغربية تظل رهينة بتوفر الأرشيف والوثائق والشهادات، داعيا إلى إطلاق مشاريع بحثية متخصصة في تاريخ الأندية الوطنية والجماهير والحركات الرياضية، بهدف الحفاظ على الذاكرة الرياضية المغربية من الضياع.

وتطرق إلى الدور الذي لعبه الوداد الرياضي في تكريس البعد الشعبي لكرة القدم، وتحوله إلى رمز رياضي وثقافي ارتبط بفئات واسعة من المجتمع المغربي، معتبرا أن تاريخ الأندية الكبرى يشكل مدخلا أساسيا لفهم التحولات التي عرفتها كرة القدم الوطنية.

بدوره، قدم الأستاذ عبد العزيز بلفايدة مداخلة بعنوان نادي الجيش الملكي تاريخ ومسار، سلط خلالها الضوء على المسار التاريخي لنادي الجيش الملكي باعتباره أحد أبرز الأندية التي طبعت تاريخ كرة القدم المغربية والإفريقية.

وأوضح بلفايدة أن الجيش الملكي لعب دورا محوريا في تطوير البنيات الرياضية الوطنية وتكوين أجيال من اللاعبين الذين ساهموا في إشعاع الكرة المغربية قاريا ودوليا.

وتوقف بلفايدة، عند المحطات التاريخية الكبرى للنادي، سواء على مستوى التتويجات المحلية أو القارية، مبرزا أن الجيش الملكي شكل نموذجا للمؤسسة الرياضية التي جمعت بين الانضباط الرياضي والبعد الوطني، وساهمت في ترسيخ مكانة كرة القدم داخل المجتمع المغربي.

وأكد المشاركون في ختام اللقاء على أهمية إدماج تاريخ الرياضة ضمن مجالات البحث الأكاديمي بالمغرب، بالنظر إلى الدور الذي أصبحت تلعبه كرة القدم في تشكيل الوعي الجماعي والهوية الثقافية للمغاربة، داعين إلى مواصلة البحث في الذاكرة الرياضية الوطنية وتوثيق مختلف مراحلها وتحولاتها.