رسم نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، بورتريها متعدد الأبعاد للراحل محمد بن عيسى، كاشفا عن جوانب من مسيرته كرجل دولة ومثقف استثنائي، وذلك خلال الجلسة الافتتاحية لندوة "خيمة الإبداع" المخصصة لتكريم روح مؤسس موسم أصيلة الثقافي الدولي.
شخصية لفتت انتباه الملك
استهل بنعبد الله كلمته، عشية أمس الجمعة، بوصف لشخصية محمد بن عيسى، مؤكدا أنه كان "متحدثا بارعا جمع بين العمق وثلاثية التعبير ووضوح الفكرة، بين مرونة الحوار والإنصات والقدرة الهائلة على الإقناع".
هذه المقومات، بحسب بنعبد الله، أكسبت الراحل "سحرا ناعما" وفتحت أمامه أبوابا وعلاقات لم تكن لتفتح لغيره.
وكشف بنعبد الله عن معلومة لافتة، وهي أن مواهب الفقيد "أثارت انتباه الملك الراحل الحسن الثاني"، على الرغم من أن بن عيسى كان "مشاكسا بالمعنى الفكري والعقلاني للكلمة"، وفي هذا السياق، تألق في تحمل مسؤولية وزارة الثقافة.
الثقافة والدبلوماسية
أوضح بنعبد الله أن الراحل كان يعتبر "الثقافة والدبلوماسية وجهين متسقين"، وهو ما انعكس في مسيرته المهنية الحافلة، فقد تألق حين عين سفيرا للمغرب بالولايات المتحدة الأمريكية، حيث كان "سفيرا حقيقيا لثقافة المغرب ولهويته وعراقته وتعدديته وحداثته وانفتاحه"، ونجح في نسج علاقات واسعة ومؤثرة، ثم واصل العطاء والتألق بنفس الروح العالمية حين تولى حقيبة وزارة الشؤون الخارجية.
وعلى الصعيد الوطني، شدّد بنعبد الله على الدور الحاسم الذي لعبه بن عيسى في القضايا الكبرى، واصفا إياه بأنه كان من "أشرس المدافعين" عن قضية الصحراء المغربية، بـ"حنكة وهدوء وإصرار".
أصيلة مشروع حياة
على الرغم من كل مسؤولياته الجسيمة، أكد بنعبد الله أن محمد بن عيسى "ظل وفيا لأصيلة، وجعلها مركز عالمه وفضاء عشقه ومصب تجاربه"، فقد كانت أصيلة بالنسبة إليه "قضية شخصية ومشروع حياة"، فخدمها لعقود كرئيس للجماعة وساهم في تحويلها إلى "منصة عالمية للثقافة والإبداع والفن والانفتاح وتلاقح الثقافات".
وأشار إلى أن موسم أصيلة، الذي أطلقه عام 1978 مع رفيقه محمد المليحي، صار كبيرا ومشعا على غرار المهرجانات العالمية الكبرى، والتصق اسمه باسم محمد بن عيسى "إلى حد التماهي".
وأكد بنعبد الله أن دافع المشروع لم يكن الشهرة، بل إيمانه العميق بأن "الطريق إلى العالمية يبدأ من التركيز على غنى وتنوع وتفرد مقومات شخصيتنا الوطنية وثقافتنا المحلية".
إرث لا يمحى
ولخص بنعبد الله إرث الراحل مؤكدا أن المغرب برحيله خسر "صوتا منفتحا وعقلا مستنيرا وقلبا مؤمنا بقيمة الإنسان"، وأكد أن محمد بن عيسى لم يكن رجلا عابرا، بل "كان وسيظل راسخا مثل صخور أصيلة ومضيئا مثل أنوار جدارياتها".