أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب الجمعة أن "الاستسلام غير المشروط" لإيران هو السبيل الوحيد لإنهاء الحرب، فيما تشهد الجمهورية الإسلامية ولبنان الغارات الأعنف منذ بدء الحرب الأميركية-الإسرائيلية قبل أسبوع.
وتدخل الحرب التي افتتحتها الولايات المتحدة وإسرائيل باغتيال المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي يومها السابع، مشعلة الفتيل في أنحاء الشرق الأوسط من طهران إلى بيروت مرورًا بالعراق، ومثيرة مخاوف بشأن الاقتصاد العالمي، لا سيما في ظل الغموض حيال أمد هذا النزاع.
وإذ ألمح الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان في وقت سابق الجمعة إلى أن بعض الدول بدأت "جهود وساطة لإنهاء الحرب"، أكد ترامب في تعليق عبر منصته "تروث سوشال" أنه "لن يكون هناك اتفاق مع إيران سوى الاستسلام غير المشروط".
وقال الرئيس الأميركي إنه في حال استسلام الجمهورية الإسلامية، ستعمل الولايات المتحدة وحلفاؤها على إنقاذ إيران "من حافة الانهيار، وجعلها أقوى اقتصاديًا وأكثر ازدهارًا من أي وقت مضى"، لافتًا إلى أن ذلك سيتطلب تنصيب "قائد عظيم ومقبول".
في هذه الأثناء، هدد وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث بأنه سيتم تكثيف الضربات الأميركية على إيران، فيما تواصل إسرائيل قصف طهران والضاحية الجنوبية لبيروت، معقل حزب الله اللبناني.
هزت انفجارات عنيفة العاصمة الإيرانية الجمعة في واحدة من أعنف موجات القصف منذ بدء الحرب، وفق ما أفاد شهود عيان في المكان.
في المقابل، أظهرت مقاطع مصوّرة على الإنترنت حشودًا من المصلين بالأسود، بعضهم يحمل الأعلام الإيرانية، تجمعوا في طهران للمشاركة في أول صلاة جمعة منذ اندلاع الحرب.
وقال رجل أعمال من طهران يدعى روبرت لوكالة فرانس برس إن كثيرين غادروا طهران منذ بدء الحرب، مضيفا أن "الأمر مخيف جدا حقا".
وأضاف الرجل البالغ 60 عاما عند الحدود الأرمنية مع إيران: "أقيمت نقاط تفتيش في المدينة لمنع أعمال النهب وضمان السيطرة".
وكانت إسرائيل قد توعدت بـ"مرحلة جديدة" من الحرب، معلنة هذه المرة استهداف البنى التحتية للحكم في إيران والضاحية الجنوبية لبيروت.
وأظهرت مشاهد من البث المباشر لوكالة فرانس برس من أحياء ضاحية بيروت الجنوبية مباني مدمرة كليا وسيارات محترقة في أعقاب القصف الإسرائيلي خلال الليل، وأعمدة الدخان تتصاعد نهارًا، فيما نزح عشرات الآلاف عن بيوتهم بعدما طلبت الدولة العبرية إخلاء المنطقة.
"كارثة إنسانية"
فقد شهدت ضاحية بيروت الجنوبية حالة من الهلع والذعر مع فرار السكان منها الخميس، إثر إنذار وجهه الجيش الإسرائيلي طلب فيه إخلاءها "الفوري".
وشهدت المنطقة التي يقطنها مئات الآلاف زحمة خانقة بعد صدور الإنذار الإسرائيلي، مع مسارعة السكان للمغادرة، على وقع رشقات نارية أطلقت لتنبيههم وحثهم على الخروج.
وتواصل استهداف الطائرات الحربية الإسرائيلية بلدات عدة في جنوب لبنان كما في شرقه، مع صدور أوامر للجيش الإسرائيلي بالتوغل أكثر إلى عمق جنوب لبنان لتوسيع نطاق سيطرته على الحدود.
وحذر رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام الجمعة من "كارثة إنسانية" بعد نزوح الآلاف من بيوتهم.
والجمعة، دعا حزب الله السكان الإسرائيليين إلى إخلاء المناطق الواقعة ضمن خمسة كيلومترات من الحدود اللبنانية.
وفي إيران، بدأ الجيش الإسرائيلي شن سلسلة من الضربات "الواسعة النطاق" على العاصمة طهران الجمعة.
وأفادت وسائل إعلام إيرانية عدة، من بينها التلفزيون الرسمي، في وقت مبكر من صباح الجمعة، بوقوع سلسلة من الانفجارات في أجزاء مختلفة من العاصمة، خصوصا في شرقها وغربها.
من جهته، أعلن الحرس الثوري الإيراني الجمعة شن هجوم مركب "بصواريخ ومسيّرات، بالإضافة إلى إطلاق وابل من صواريخ خيبر، مستهدفا مواقع في قلب تل أبيب".
كما أعلن لاحقًا أن قواته استهدفت أنظمة رادار أميركية في الإمارات العربية المتحدة والأردن وقطر، فيما أعلن الجيش الإيراني أنه استهدف في مياه الخليج ناقلة نفط أميركية، مشيرا إلى أن "النيران مشتعلة فيها".
وعلى الجبهة الثالثة المتمثلة في دول الخليج، أعلنت السعودية وقطر صباح الجمعة اعتراض صواريخ ومسيّرات استهدفت قاعدتين جويتين في البلدين. أما البحرين فذكرت على منصة إكس أن إيران استهدفت "فندقين ومبنى سكنيًا في العاصمة المنامة" من دون خسائر بشرية.
كذلك، أعلنت قطر أن عناصر في قواتها البحرية كانوا في مبانٍ استهدفتها طهران في البحرين، من دون تسجيل إصابات.
وأعلنت الأمم المتحدة الجمعة أن الحرب في الشرق الأوسط "أزمة إنسانية كبرى". كما دعا المفوض الأممي لحقوق الإنسان إلى "تحقيقات محايدة"، بعدما قالت إيران إن ضربة على مدرسة نسبتْها إلى الولايات المتحدة وإسرائيل أسفرت عن مقتل أكثر من 150 شخصا.
ولم تعلن الولايات المتحدة أو إسرائيل مسؤوليتهما عن الضربة، غير أن تحقيقًا لصحيفة نيويورك تايمز رجح أن الولايات المتحدة هي من نفذ الضربة خلال عملية عسكرية في المكان.
لا تفاوض
وفي ظل هذا المشهد، لا يبدي أي من الطرفين أي ميل نحو الحوار. وكان ترامب قد اعتبر الخميس أنه ينبغي أن يشارك في اختيار خلف للمرشد الإيراني، رافضًا فكرة إمكان اختيار نجله مجتبى خامنئي، وهو أحد المرشحين لخلافة والده وفق تقارير.
وأكدت إسرائيل الخميس أنها دمرت أكثر من 60% من منصات إطلاق الصواريخ البالستية الإيرانية و80% من منظوماتها للدفاع الجوي، وذلك عبر 2500 غارة استخدمت فيها أكثر من ستة آلاف ذخيرة، معلنة تحقيقها "تفوقا جويا شبه كامل في الأجواء الإيرانية".
وبعدما كان ترامب قال في وقت سابق إن الإيرانيين "يريدون التفاوض" وأنه أجابهم "فات الأوان"، أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لقناة "إن بي سي نيوز" الأميركية الخميس أن إيران لا تسعى إلى وقف إطلاق النار ولا إلى مفاوضات مع الولايات المتحدة.
ومع اشتداد الحرب على الجمهورية الإسلامية، أكد زعيم "أنصار الله" في اليمن عبد الملك الحوثي أن "أيدينا على الزناد في ما يتعلق بالتصعيد العسكري (...) في أي لحظة تقتضي التطورات ذلك".
كما بات العراق، الذي لطالما كان ساحة صراع غير مباشر بين الولايات المتحدة وإيران، أكثر انخراطًا في الحرب. وقال مسؤول أمني لوكالة فرانس برس إن طائرات مسيّرة استهدفت الجمعة مطارًا ومنشأتين نفطيتين في جنوب العراق.
وكانت أسعار النفط قد ارتفعت في وقت سابق الجمعة بعدما أعلنت السلطات الكردية في العراق توقف الإنتاج النفطي نتيجة هجوم سابق.
وتبقى الجهود الدبلوماسية حكرا على الأطراف الثالثة في الوقت الراهن، وقال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الخميس إنه يناقش "خطة" مع مختلف الأطراف المعنية لمنع انزلاق لبنان مجددًا إلى الحرب، مستجيبًا لنداء أطلقه نظيره اللبناني جوزاف عون.
وأفادت وزارة الصحة اللبنانية مساء الخميس بمقتل 217 شخصا على الأقل في البلاد منذ بدء الحرب بين حزب الله وإسرائيل الاثنين.
وفي إيران، أفادت وكالة "إرنا" الرسمية بأن حصيلة القتلى منذ السبت بلغت 1230.
وقالت المتحدثة باسم الحكومة الإيرانية فاطمة مهاجراني الخميس إن 30 في المائة من القتلى أطفال.
وقتل 13 شخصا في دول الخليج، بينهم سبعة مدنيين، منهم طفلة تبلغ 11 عامًا في الكويت، فيما ارتفع عدد القتلى في إسرائيل إلى 10 أشخاص على الأقل.