تشهد سواحل الشمال المغربي خلال الأشهر الأخيرة ارتفاعا غير مسبوق في عدد النساء، بما في ذلك فتيات قاصرات، اللواتي يخضن مغامرة السباحة عبر البحر للوصول إلى مدينة سبتة المحتلة. ويكشف هذا التنامي، الذي لفت انتباه الإعلام الإسباني والدولي، عن أبعاد اجتماعية واقتصادية وثقافية عميقة تتجاوز مجرد هجرة غير نظامية.
بحسب تقرير لموقع InfoMigrants، تحدّث الخبير المغربي في قضايا الهجرة علي الزبيدي عن الظاهرة قائلا إن “عدد النساء اللواتي يخترن السباحة إلى سبتة يرتفع باستمرار، في خطوة تكسر الصور النمطية التي رسختها الثقافة السائدة”. ويضيف: “لطالما اعتُبر السباحة لمسافات طويلة نشاطاً يتطلب قوة بدنية وقدرة على التحمّل، وهو ما يُنسب عادةً إلى الرجال، بينما ينظر إلى النساء على أنهن أكثر ارتباطاً بالأسرة وأقل استقلالية”.
ويرى الزبيدي أن غياب الاستقرار وندرة الآفاق المهنية في المغرب يدفع الشبان والشابات على حد سواء إلى التفكير في الهجرة عبر هذه الطرق الخطرة. أما بالنسبة للفتيات والنساء، فقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي، خصوصاً منصة “تيك توك”، في تغذية الظاهرة من خلال بث مقاطع مصوّرة لرحلات ناجحة، ما يمنحها بعداً استعراضياً ويشجع أخريات على المجازفة.
ولعل أبرز الأمثلة حالة شيماء الغريني، وهي شابة وثّقت وصولها إلى سبتة في صيف العام الماضي، ليحقق حسابها على “تيك توك” أكثر من مليون متابع، ما جعلها نموذجاً يُحتذى لدى كثير من الشابات المغربيات الباحثات عن فرصة خارج الحدود.
أحلام رياضية تصطدم بالواقع
يبرز أيضاً عامل آخر خلف هذه الهجرة النسائية، وهو الحلم الرياضي الذي تعزز في المغرب بعد الإنجاز التاريخي لأسود الأطلس في مونديال قطر 2022 وبلوغهم نصف النهائي، بالإضافة إلى استضافة المغرب لبطولات قارية كبرى للرجال والنساء، وصولاً إلى الاستعداد المشترك مع إسبانيا والبرتغال لتنظيم مونديال 2030.
ويقول الزبيدي إن “كرة القدم تحولت إلى ثقافة يومية في المغرب، لكن الكثير من اللاعبين واللاعبات يعانون من نقص الدعم والتقدير وفرص الاحتراف، وهو ما يزرع شعوراً بالإحباط ويدفع بعضهم إلى محاولة الوصول إلى أوروبا لاحتراف اللعبة وتحقيق أحلامهم”.
تغيّر في صورة المهاجرين
قبل سنوات، كان يُنظر إلى المهاجرين الذين يعبرون البحر سباحة على أنهم أطفال متخلى عنهم أو شباب مشرّدون. غير أن الزبيدي يوضح أن الواقع تغيّر اليوم، إذ أصبح معظمهم “شباباً مندمجين في المجتمع، يعملون أو يدرسون، لكنهم فقدوا الأمل في مستقبل واعد داخل بلدهم”. هذا التحول يعكس انتقال الظاهرة من هامش المجتمع إلى قلبه، ما يثير قلقاً متزايداً لدى السلطات والمهتمين بملف الهجرة.
ورغم قصص الوصول التي تحظى بالانتشار، تحذر منظمات حقوقية من مآسٍ إنسانية تتخلل هذه الرحلات، حيث سجّلت وفيات غرقاً لا تحظى غالباً بتغطية إعلامية. فالمياه الباردة والتيارات القوية تجعل السباحة لمسافات طويلة محفوفة بمخاطر قاتلة، خصوصاً بالنسبة للفتيات والنساء غير المتمرسات.