تفكك إمبراطورية باتريك دراحي في المغرب... عشر سنوات من الوعود الكبرى والمشاريع التي لم ترَ النور

تيل كيل عربي

بعد ما يقارب عقدا كاملا على دخوله القوي إلى السوق المغربية، يستعد الملياردير الفرنسي من أصل مغربي باتريك دراحي لإنهاء آخر فصول حضوره الاقتصادي بالمملكة، مع شروعه في بيع حصته البالغة 65 في المئة في مجموعة Intelcia، أحد أبرز الفاعلين في مجال مراكز النداء وخدمات التعهيد بالقارة الإفريقية. ويؤشر الخبر الذي كشفته مجلة جون أفريك على انسحاب كامل لرجل أعمال كان يُنظر إليه طويلا باعتباره من أبرز الوجوه القادرة على نقل مشاريع استراتيجية ضخمة إلى المغرب، قبل أن تتراجع خططه تباعاً بسبب أزمة ديون خانقة هزّت مجموعته الأم Altice خلال السنوات الأخيرة.

 

من صفقة كبرى إلى خروج اضطراري

وقد شكّل دخول Altice إلى رأسمال Intelcia سنة 2016 حدثا مهما أثار حينها ضجة كبيرة، إذ كانت الصفقة تُقدَّم كخطوة لتكريس موقع المغرب مركزاً قارياً للأوفشورينغ، وتوسيع نشاط الشركة نحو أوروبا وإفريقيا، وتعزيز “عودة دراحي” إلى بلده الأم عبر مشاريع نوعية. غير أنّ الواقع أخلف تلك الوعود، فمع تدهور الوضع المالي للمجموعة وتراكم ديون ضخمة تُقدّر بعشرات المليارات، تحولت الأصول غير الاستراتيجية إلى عبء يستوجب التخلص منه، ما دفع إلى وضع Intelcia على لائحة الأصول المعروضة للبيع. وتشير معلومات جون أفريك إلى أن من سيستحوذ على هذه الحصة هما المالكان الأصليان للشركة، كريم برنوسي ويوسف العوفير، اللذان احتفظا بنسبة 35 في المئة منذ تأسيس Intelcia سنة 2000، ويستعدان لاستعادة السيطرة الكاملة عليها.

 

مشاريع كبرى لم ترَ النور

ويغلق انسحاب دراحي أيضا صفحة مشاريع أخرى ظلت معلّقة بين الرباط وباريس وبين مجموعته Altice. فحسب مصادر جون أفريك حاول الرجل إطلاق مبادرات استثمارية كبرى في المغرب، لكنها بقيت حبيسة التفاهمات الأولية، أو ظلت في مرحلة التصور بسبب صعوبات مالية، أو تعثرت في ظل انكشاف المجموعة على قضايا فساد مالي في البرتغال وفرنسا. ومن بين هذه المشاريع رغبة Altice في دخول سوق الاتصالات المغربية، وهي خطوة رُوّج لها كثيرا لكنها اصطدمت بواقع استقرار القطاع وتشريعاته وحساسيته الاستراتيجية. كما تم تداول نية دراحي إنشاء مراكز بيانات ضخمة، إلا أن أزمته المالية أطاحت بالمشروع قبل بدايته. أما فكرة توسيع الإمبراطورية الإعلامية للمجموعة داخل المغرب فنُسيت تماما مع توالي الفضائح التي مست الشركة في أوروبا.

 

Intelcia… القصة الوحيدة التي صمدت

ورغم تعثر مجمل طموحات دراحي في المغرب، تبقى Intelcia القصة الوحيدة التي صمدت في مساره المغربي. فمنذ دخول Altice إلى رأسمالها تضاعف حجم الشركة مرات عديدة، وتوسعت إلى 17 دولة، وأصبحت من أبرز المؤسسات الإفريقية العاملة في قطاع التعهيد، مسجلة أكثر من 40 ألف موظف. غير أن نجاح الشركة، وفق محللين، يعود أساسا إلى القيادة التي مارسها الثنائي برنوسي والعوفير، أكثر مما يعود إلى Altice التي اكتفت بجني الأرباح دون أن تسهم بشكل فعلي في تطوير البنية الإنتاجية للشركة.

 

الخروج النهائي… علامة مرحلة جديدة

ويمثل خروج دراحي من المغرب من خلال التخلي عن Intelcia علامة على نهاية مرحلة طويلة من الوعود والطموحات، إذ يُقرأ هذا القرار في الأوساط الاقتصادية باعتباره إعلانا عن انتهاء حلم أراد صاحبه من خلاله العودة إلى المغرب بصفقات رمزية، إضافة إلى كونه تأكيدا على أن الأزمة المالية العالمية التي ضربت Altice لم تترك له خيارا آخر غير بيع الأصول. كما يعكس هذا الخروج عودة السيطرة المغربية الكاملة على واحد من أهم الفاعلين القاريين في قطاع مراكز النداء. ويتقاطع القرار أيضاً مع عملية إعادة هيكلة واسعة تشهدها مجموعة Altice عقب الفضائح المالية والاعتقالات في البرتغال، وسعيها إلى تقليص ديونها الضخمة عبر بيع الأصول غير الاستراتيجية.