في إنجاز علمي غير مسبوق، يقلب فهمنا للتاريخ البشري لواحدة من أقدم الحضارات على وجه الأرض، نجح فريق دولي من الباحثين في استخلاص وتسلسل جينوم كامل عالي التغطية لذكر مصري قديم يعود تاريخه إلى عصر الدولة القديمة، وهي الفترة التي شهدت بناء الأهرامات الشاهقة التي لا تزال تثير الإعجاب.
هذه الدراسة المحورية نشرت في دورية "Nature" بتاريخ 2 يوليوز 2025 ، بقيادة باحثين بارزين مثل أديلاين موريز جاكوبس، جويل دي، أيريش، أشلي كوك، وكيرياكي أناستاسيادو، بالإضافة إلى بونتوس سكوغلوند ولينوس جيردلاند-فلينك كمشرفين مشتركين على العمل، ينتمي هؤلاء الباحثون إلى مؤسسات وجامعات مرموقة في المملكة المتحدة والسويد وفرنسا وإيطاليا واليابان.
مقبرة مصرية قديمة
لطالما شكلت الظروف المناخية القاسية في مصر، ذات البيئة الحارة والجافة، تحديا كبيرا أمام علماء الوراثة القديمة في استعادة الحمض النووي المحفوظ بشكل جيد.
ومع ذلك، فإن طريقة دفن هذا الفرد الاستثنائي، الذي عثر عليه في جرة فخارية داخل مقبرة (مصر) منحوتة في الصخر بمنطقة نويرات (بني حسن حاليا)، ربما تكون قد ساهمت بشكل كبير في الحفاظ على مادته الوراثية الفريدة.
الرجل الذي عاش بين عامي 2855 و2570 قبل الميلاد، أي بعد قرون قليلة من توحيد مصر، يمثل حلقة وصل جينية نادرة بين فترتي الأسر المبكرة والدولة القديمة.
وكشفت دراسات النظائر المستقرة على مينا أسنانه وكولاجين العظم السني أنه نشأ في المناخ الحار والجاف لوادي النيل واتبع نظاما غذائيا متعدد المصادر يعتمد على البروتين الحيواني الأرضي والنباتات، مثل القمح والشعير، وهو أمر نموذجي للمصريين حتى الفترة القبطية.
اللافت للنظر، أن تحليل الهيكل العظمي أشار إلى أنه عاش حتى عمر متقدم نسبيا لتلك الفترة (حوالي 44-64 عاما)، وأن حياته تضمنت فترة طويلة من العمل البدني الشاق، وهو ما يبدو متناقضا مع دفنه الذي يوحي بمكانة اجتماعية عالية.
يشير الباحثون إلى أن أنماط التهاب المفاصل الشديد في معظم المفاصل والفقرات، وعلامات الإجهاد العضلي الهيكلي المستحثة بالنشاط، قد تتوافق مع عمل الخزافين، كما يظهر في الصور المصرية القديمة.
الفراعنة - المغرب (الصخيرات)
لطالما سادت قناعة بأن المجتمع المصري القديم نشأ بشكل أساسي من أصول محلية، مع تأثيرات محدودة من المناطق المجاورة، إلا أن تحليل الجينوم الكامل لهذا الفرد من نويرات يقدم صورة أكثر تعقيدا وإثارة للاهتمام حول التنوع الجيني للمصريين الأوائل.
النتائج كشفت عن روابط جينية قوية وغير متوقعة مع مناطق بعيدة في شمال إفريقيا، تشير النمذجة الجينية إلى أن غالبية أصول هذا الفرد (حوالي 77.6±3.8%) ترتبط بشكل وثيق بجينومات تمثل سكان العصر الحجري الحديث الأوسط من المغرب، وتحديدا من موقع ""Skhirat-Rouazi".
موقع "الصخيرات الروازي" هو موقع أثري، عثر فيه على بقايا بشرية تعود إلى العصر الحجري الحديث الأوسط (بين 4780 و4230 قبل الميلاد)، وقد تم استخدام الجينومات المستخلصة من أفراد عثر عليهم في هذا الموقع تحديدا، كمصدر للمقارنة في هذه الدراسة الجينية للفرد المصري القديم من نويرات.
هذا الارتباط الجيني العميق مع المغرب يفتح الباب أمام مزيد من التساؤلات حول طبيعة هذه الروابط القديمة: هل كانت هجرات سكانية واسعة النطاق بين شمال إفريقيا ووادي النيل؟ أم كانت تبادلات ثقافية وتجارية مكثفة أدت إلى تدفقات جينية عبر الأجيال؟ الدراسة تشير إلى أن هذه النتائج قد تعكس "أسلافا مشتركة عبر شمال إفريقيا خلال هذه الفترة".
علاوة على ذلك، أظهرت الدراسة أن حوالي 20% من أصول جينوم هذا الفرد يمكن تتبعها إلى جينومات تمثل منطقة الهلال الخصيب الشرقي، بما في ذلك بلاد ما بين النهرين والمناطق المحيطة بها، هذا التقارب الجيني مشابه للأصول التي ظهرت في الأناضول والمشرق خلال العصر الحجري الحديث والعصر البرونزي.
هذه النتائج مجتمعة تشير إلى أن الاتصالات بين مصر والهلال الخصيب الشرقي لم تكن مقتصرة على تبادل الأشياء والصور (مثل الحيوانات والنباتات المستأنسة، وأنظمة الكتابة، وعجلة الفخار)، بل شملت أيضا هجرة بشرية وتمازجا لاحقا، مما يدعم الأدلة الأثرية الحديثة التي تشير إلى وجود روابط تجارية وتبادل ثقافي عبر الهلال الخصيب منذ الألفية السادسة قبل الميلاد أو قبل ذلك، مع ظهور "الحزمة النيوليثية" (الزراعة وتربية الحيوانات).
يخطط الباحثون لمواصلة تسلسل جينومات كاملة لأفراد آخرين من فترات مختلفة من تاريخ مصر القديمة، سيمكن ذلك من الحصول على فهم أكثر تفصيلا ودقة للتحركات السكانية والاستمرارية الجينية التي شكلت هذه الحضارة العظيمة على مر آلاف السنين، وربما يكشف عن مزيد من الروابط الجينية غير المتوقعة عبر شمال إفريقيا والشرق الأدنى.