حوار.. خبير دولي يكشف لـ"تيلكيل عربي" تداعيات الفيضانات على الإنتاج الزراعي وجودته

خديجة قدوري

بعد ثلاثة أسابيع من الفيضانات في شمال المغرب، يستعد منتجو الفواكه الحمراء للعودة إلى ضيعاتهم لتقييم الأضرار وإجراء الإصلاحات اللازمة، رغم أن الموسم انتهى فعليًا بالنسبة للعديد منهم، ووفقًا لما ورد في موقع FreshPlaza عن أمين بناني، رئيس الجمعية المغربية لمنتجي الفواكه الحمراء، فإن التأثير كان أكثر حدة في مناطق القنيطرة وسيدي سليمان والعرائش، حيث يتركز جزء كبير من إنتاج الفواكه الحمراء في البلاد.

ووصف بناني الوضع على الأرض بأنه صعب، إذ تأثر جميع منتجي الفواكه الحمراء بدرجات متفاوتة، وغمرت المياه العديد من الضيعات بالكامل، وقد تصل خسائر الإنتاج إلى حوالي 10 بالمائة من حجم الموسم، وتشمل جميع المنتجات، بما فيها الفراولة والتوت الأحمر والتوت الأزرق، مما قد يؤدي إلى نهاية مبكرة لموسم الفراولة.

وفي هذا الصدد، أجرى "تيلكيل عربي" حوارا مع محمد بازة، الخبير الدولي في الموارد المائية، كشف من خلاله أنه لم يجر إلى حدود الآن، تقييم رسمي للخسائر، لكن المؤشرات الأولية تظهر أن الفيضانات في حوضي سبو واللوكوس سببت أضرارا جسيمة للإنتاج الزراعي، غمرت المياه آلاف الهكتارات، ودمرت المحاصيل السنوية، وأثرت بشكل مباشر على جودة الإنتاج وسلاسل التصدير، خصوصا الفواكه الحمراء والحوامض.

كيف يمكن تقييم حجم الأضرار التي خلفتها الفيضانات الأخيرة على البنيات التحتية الزراعية وسلاسل التصدير في شمال المغرب؟

ما يمكن قوله الآن هو أنه لا يوجد، إلى حدود هذه اللحظة، تقييم رسمي وشامل للخسائر التي خلفتها الفيضانات بكل من حوضي اللوكوس وسبو، نظرا لصعوبة القيام بعملية التقييم. فما تزال هناك صعوبات في الوصول إلى جميع المناطق، إذ لا تزال المياه تغمر العديد منها، كما أن بعض الطرق، خصوصا الثانوية والترابية، ما زالت غير سالكة.

لكن هناك إجماع، استنادا إلى النتائج الأولية وما تم تقييمه من طرف بعض الجهات والجمعيات وغيرها، على أن الأمطار الغزيرة والرياح القوية التي رافقتها، خاصة خلال شهر فبراير، في كل من حوضي سبو واللوكوس، كانت لها تأثيرات سلبية كبيرة، وصفها البعض بالفادحة والجسيمة، لا سيما على مستوى الإنتاج الزراعي.

وقد شكلت هذه الوضعية صدمة قوية، خصوصا لقطاع التصدير، علما أن منطقة الغرب تعد من أهم المناطق المصدرة للفواكه الحمراء، مثل الفراولة والتوت، إضافة إلى الحوامض، حيث كان التأثير واضحا سواء على حجم الإنتاج أو على جودته وكذا على وتيرة التصدير.

وقد غمرت المياه آلاف الهكتارات من الأراضي الفلاحية، وعندما تجتاح هذه المياه الأراضي بسرعة وبقوة، فإنها تتسبب في إتلاف المحاصيل بشكل شبه نهائي. فالمحاصيل السنوية التي مرت عليها السيول الجارفة تعرضت للاجتراف، كما أن المناطق التي غمرتها المياه، والتي لا تزال بعض أجزائها مغمورة إلى حدود الآن، تضررت زراعتها بشكل كبير، إذ تلفت المحاصيل التي كانت بها.

يبقى الأمل قائما في تدارك جزء من الخسائر عبر اللجوء إلى الزراعات الربيعية كبديل، غير أن ذلك يتطلب وقتا إضافيا لإعادة تهيئة الأراضي واستعادة وتيرة الإنتاج. وفي هذا السياق، صدر بيان عن منتجي الفواكه الحمراء بشأن الخسائر الناجمة عن الفيضانات، أكدوا فيه أن الأضرار كانت جسيمة، خاصة في مناطق القنيطرة وسيدي سليمان والعرائش وغيرها. وأوضح البيان أن خسائر الإنتاج قد تتراوح ما بين 10 و15 في المائة من إجمالي الموسم بالنسبة للفراولة والتوت البري والتوت الأزرق، إلى جانب توقعات بتضرر البنيات التحتية، حيث تجاوزت نسبة الأضرار 20 في المائة، وهو ما يعكس حجم الخسائر المسجلة.

وفي المقابل، خصصت الحكومة غلافا ماليا يقدر بـ300 مليون يورو لمعالجة الوضع في حوضي سبو واللوكوس، من بينها 30 مليون يورو موجهة للمساعدات المباشرة لفائدة المزارعين ومربي الماشية، بهدف دعم إعادة الزراعة خلال الموسمين الربيعي والصيفي، وكذا تأمين تغذية الماشية وتعويض جزء من الخسائر المسجلة.

ما هي الاستراتيجيات المائية التي يمكن اعتمادها لتفادي تأثير مثل هذه الفيضانات على الموسم الفلاحي في المستقبل؟

تأتي السدود على رأس الاستراتيجيات المائية المعتمدة للحماية من الفيضانات، إذ إن معظم السدود الموجودة في المغرب من بين أهم أهدافها الحماية من الفيضانات. غير أنه في بعض الأحيان، كما حصل مؤخرا، تقع فيضانات حتى في المناطق التي تتوفر على عدة سدود وأكبرها، مثل حوض سبو.

وذلك لأن بعض الفيضانات تكون استثنائية ونادرة، قد تقع مرة كل 15 أو 20 سنة، وحتى السدود لا تستطيع احتواءها. لكن السدود الحالية تساهم في التقليل من حدة الفيضانات إلى حد كبير.

لكن كانت هناك واردات مائية فاقت القدرة الاستيعابية لتلك السدود، مما تسبب في وقوع بعض الفيضانات، غير أنها لم تسجل خسائر في الأرواح، بل خلفت أضرارا كما تطرقنا إليه في البداية، وهي خسائر يرتقب تدارك جزء منها في ظل الإجراءات التي اتخذتها الجهات المعنية والمؤسسات الحكومية لإعانة المتضررين.

قد يتساءل بعض الأشخاص إن كانت هذه الفيضانات استثنائية، تقع مرة كل 15 أو 20 سنة، فلماذا لا تنشأ لها سدود خاصة؟ والجواب هو أننا نتوفر بالفعل على سدود تقوم بحجز معدل الأمطار المعتاد، أما إنشاء سدود مخصصة لاستيعاب فيضانات نادرة كهذه، فهي غير مجدية، لأن هذه السدود ستظل فارغة طوال 19 سنة من كل 20، في انتظار التساقطات الاستثنائية، ما يجعل هذا الحل غير عملي.

إلى أي مدى تلعب إدارة السدود ومخازن المياه دورا في حماية الأراضي الزراعية من الفيضانات، وهل هناك تحسينات يمكن تنفيذها على المديين القصير والمتوسط؟

تلعب إدارة السدود ومخازن المياه دورا مهما في حماية الأراضي الزراعية من الفيضانات، وقد تناول هذا الموضوع العديد من الخبراء خلال الشهر الماضي وبداية الشهر الحالي. فعلى سبيل المثال، سد الوحدة يستوعب أكثر من 3 مليارات متر مكعب من المياه، لكن يخصص نحو مليار متر مكعب للحماية من الفيضانات. ويعني هذا أنه قبل موسم الأمطار يجب التأكد من أن نحو 30 بالمائة من سعة السد تكون فارغة، وإذا كان السد ممتلئا، يجب تفريغه والاحتفاظ بنسبة 70 بالمائة لاستيعاب مياه الأمطار والسيول القادمة، من أجل أن يستقبل السد التساقطات المطرية الغزيرة عند حدوثها.

من بين مهام السد وأهدافه حماية الأراضي من الفيضانات، ولذلك يجب التأكد من ترك مساحة كافية للحماية خلال موسم الأمطار لاستيعاب التساقطات المطرية المقبلة. لكل سد طريقة محددة في التعامل معه، حيث تتمتع إدارة كل سد بالخبرة اللازمة لتحديد موعد التفريغ والكمية المطلوبة. ومع ذلك، فإن إدارة السدود ومخازن المياه وحدها لا تكفي للحماية من الفيضانات، بل يجب تضافر إجراءات أخرى كما أشرنا سابقا.

من بين الإجراءات المتخذة على المدى الطويل، على سبيل المثال، تحويل المياه إلى جهات أخرى، وهو إجراء يحتاج إلى وقت طويل، أما على المدى القصير فتكمن الإجراءات في إدارة السدود. وبالتالي، هناك إجراءات قصيرة، ومتوسطة، وطويلة المدى، وكل هذه الإجراءات تندرج ضمن الإدارة المتكاملة للموارد المائية وتشمل جميع هذه الجوانب.