تشهد المناطق الشمالية ارتفاعا في وتيرة حرائق الغابات خلال فصل الصيف، آخرها الحريق الذي عرفه إقليم تطوان يوم أمس، وهو ما يطرح العديد من الأسئلة حول الآثار المباشرة لهذه الحرائق على المستوى الصحي والاقتصادي والبيئي، وكذا حول السبل الكفيلة بالتصدي لها وتعزيز حماية الغطاء الغابوي.
في هذا الحوار مع "تيلكيل عربي"، يسلط زين العابدين الحسيني، أستاذ جامعي وباحث في مجال التشريع البيئي والتنمية المستدامة، الضوء على أبعاد هذه الظاهرة وسبل مواجهتها.
كيف تفسرون ارتفاع الحرائق في المناطق الشمالية إلى جانب باقي الحرائق المسجلة في مختلف جهات البلاد؟
لا شك أن السنوات العجاف الأخيرة، التي وصلت هذه السنة إلى سنتها السابعة، قد خلفت آثارا كثيرة على البيئة ببلادنا وفي مقدمتها انخفاض نسبة الرطوبة على مستوى الغابات والأحراش والنباتات المختلفة، وهي ظاهرة رفعت بطبيعة الحال من احتمالات حدوث حرائق الغابات في عدة مناطق، خصوصا في المنطقة الشمالية، أو ما يعرف إداريا بجهة طنجةـ تطوان ـ الحسيمة.
هذه الحالة المناخية والبيئية لا تقتصر على بلادنا فقط، بل تخص المحيط المتوسطي بكامله، ففي هذه الأيام، تشهد فرنسا نحو عشرين حريقا، والبرتغال خمسة حرائق، منها بعض الحرائق الضخمة والعاتية التي استعصت على كل جهود الإطفاء، فضلا عن حرائق أخرى في إسبانيا، واليونان، وجنوب إيطاليا، وكذلك في تركيا التي تعرف حرائق غير مسبوقة في الغابات الموجودة في الجانب الأوروبي من الجمهورية التركية.
هذا الواقع انعكس، أيضا، على المنطقة الشمالية من بلادنا، حيث بدأت حرائق الغابات بشكل مبكر هذه السنة، بالنظر إلى موجات الحرارة التي سجلت منذ نهاية ماي وبداية يونيو.
فقد تم تسجيل، خلال النصف الأول من السنة، أكثر من نصف مجموع الحرائق التي عرفها المغرب، حيث بلغ عددها 54 حريقا أتت على ما يزيد على 264 هكتارا من الغطاء الغابوي بمختلف أنواعه، ونصف هذه الحرائق تم تسجيله في وقت مبكر، قبل المرحلة المألوفة المتمثلة في شهري يوليوز وغشت.
وقد شهدت الجهة حرائق منذ شهر أبريل إلى غاية نهاية يونيو، حيث احتل إقليم تطوان المرتبة الأولى جهويا ووطنيا من حيث عدد الحرائق الغابوية، بـ 18 حريقا أتت على 112 هكتارا، يليه إقليم شفشاون بـ 9 حرائق، وقد تتغير هذه الرتبة بالنظر إلى الحرائق المسجلة حاليا في 10 و 11 و12غشت بمنطقتي دردارة والكراخة، وهما منطقتان غابويتان معروفتان بثروتهما الطبيعية، خصوصا في نوع الأشجار التي يصعب تعويضها، ما يجعل الخسائر البيئية كبيرة جدا.
كما بلغ عدد الحرائق المسجلة بهذه الجهة 10 حرائق، مع تزايد احتمالات توسعها، في حين شهدت تطوان خلال اليومين الأخيرين حريقين، أحدهما بمنطقة بنقريش، والآخر بمنطقة مجاورة لجبل غرغيز، فيما سجلت عمالة طنجةـ أصيلة 7 حرائق.
وتتوالى هذه الحرائق في بلادنا، كما تتوالى في عدة مناطق من العالم، مثل الولايات المتحدة وأستراليا وجنوب شرق آسيا، نتيجة نسبة الاحترار، وعدم انتظام التساقطات، وندرة المياه، وانخفاض نسبة الرطوبة، فضلا عن العامل البشري وعدم اتخاذ الاحتياطات اللازمة، خاصة خلال رحلات الاستجمام في الصيف، وبعضها يكون متعمدا لأسباب مختلفة، مثل البحث عن مجالات للتوسع العمراني.
ما الآثار الصحية والاقتصادية والبيئية المترتبة عن حرائق الغابات؟
هذه الحرائق تمثل خسارة تصيب "رئة" البشرية والمراكز الحضرية، بما يهدد الصحة العامة، خاصة بالنسبة للمسنين والأطفال ومرضى القلب والشرايين والجهاز التنفسي، كما أن الكلفة المادية والخسائر التي تتكبدها الجماعات الترابية كبيرة، حيث تعتمد على الغابة ومنتوجاتها كالفلين والخشب كمورد اقتصادي مهم.
يضاف إلى ذلك أثر الدخان الكثيف على جودة الهواء، وانتقاله إلى مناطق أخرى بفعل الرياح العاتية، مما يسبب تلوثا إضافيا، فضلا عن نفوق أعداد كبيرة من الكائنات الحية، مثل الأرانب البرية والطيور والحيوانات الأخرى، خصوصا خلال مواسم التوالد، وهو ما يؤثر بشكل أكبر على الأصناف المهددة بالانقراض.
كما تتضرر أنشطة تربية المواشي والمناحل، التي تواجه خسائر كبيرة في غياب سياسات استباقية أو أنظمة تأمين تأخذ هذه المخاطر بعين الاعتبار، ما يؤثر على مصادر الدخل وفرص الشغل في البوادي والقرى، ويزيد من الهجرة نحو المدن.
ما السبيل لمواجهة هذه التغيرات المناخية من أجل حماية الغطاء الغابوي؟
بصفة عامة، نحن مدعوون اليوم إلى التعايش مع هذه الظواهر المناخية، مثل الارتفاع المستمر في درجات الحرارة، الذي كان في السابق يظهر دوريا، وأصبح اليوم ظاهرة قارة.
ففي بلادنا يهيمن المنخفض الحراري الصحراوي على الجنوب الشرقي ويمتد إلى السهول الفلاحية المعيشية المهمة للأمن الغذائي.
لذا أصبح من الضروري التفكير جديا في وضع استراتيجية وطنية لمواجهة التبخر الناتج عن هذه الموجات الحرارية العاتية، والحفاظ على الغطاء الغابوي وحمايته عبر اعتماد جميع الوسائل، من الإنذار المبكر إلى تشديد العقوبات على المتسببين في الحرائق، لأن الغابة ثروة أمة ومستقبلها، وصحة الأجيال القادمة وعيشها رهينان بصيانة الوسط البيئي، وهو جوهر التنمية المستدامة.
على ذكر تشديد العقوبات هناك مشروع قانون يتعلق بالمحافظة على الغابات وتنميتها المستدامة معروض حاليا لدى الأمانة العامة للحكومة، كيف ترون تطور مسار التشريع في مجال حماية الغابات من الحرائق ؟
لحماية الغابات، لا بد أن يؤخذ الجانب التشريعي بعين الاعتبار، لأن تشديد العقوبات وحماية هذه الثروة الوطنية أمر أساسي يتطلب وضع الهياكل القانونية والإدارية وأجهزة المراقبة المناسبة، حتى نتمكن من حماية الغابات، وبطبيعة الحال الضرب على أيدي من يستهين بهذه الثروة الوطنية ويعرضها للتلف.
في إطار هيكلة ومأسسة هذا المرفق، عرف المغرب تطورات مؤسساتية على هذا المستوى، حيث كانت المياه والغابات في السابق تابعة لوزارة الفلاحة، ثم أصبحت مندوبية سامية، والآن تحولت إلى الوكالة الوطنية للمياه والغابات.
هذا التغيير رافقه تعديل على المستوى التشريعي، وعلى مستوى هيكلة المؤسسات، وتحديد المسؤوليات، وتحديد المجالات الترابية ومناطق النفوذ للمندوبيات والهيئات الجهوية والوطنية، إضافة إلى وضع تشريع مناسب يمنح الوسائل اللازمة لهذه المؤسسات، وللعاملين فيها وأعوانها، حتى يتمكنوا من القيام بمهامهم على أحسن وجه.
وفي هذا الإطار، تم إعداد مشروع قانون يتعلق بالمحافظة على الغابات وتنميتها المستدامة، وهو حاليا، على ما أعتقد، لدى الأمانة العامة للحكومة، في انتظار إحالته على مجلس الحكومة، لعرضه خلال الدورية الخريفية، ونأمل أن يشكل إضافة ودعما لحماية الغابات والحفاظ عليها، حتى نظل دائما، كما هو الحال في مجالات البيئة والتنمية المستدامة، في مقدمة الدول التي تعطي لهذا الموضوع الأهمية اللازمة.

إلى أي حد يمكن اعتبار السلوك البشري يساهم في اندلاع حرائق الغابات، وما السبل الكفيلة بالحد من آثاره؟
لمزيد من التدقيق حول تحديد المسؤوليات في هذا المجال، أود أن أوضح أن الحرائق التي تحدث في عدة مناطق من بلادنا، وما يترتب عنها من تبعات وخسائر، ترجع في الغالب إلى سببين رئيسيين:
السبب الأول هو الأسباب الطبيعية، مثل المخلفات الموجودة في الغابة كقطع الزجاج وغيرها من المواد القابلة للاشتعال، أو بعض الحيوانات التي قد تكون سببا في اندلاع النيران.
أما السبب الثاني فهو السبب البشري، حيث أظهرت عدة قضايا أن العامل البشري كان وراء الكثير من حالات الحرائق، سواء نتيجة الإهمال أو الممارسات غير المسؤولة.
وبطبيعة الحال، هناك متابعات قضائية في هذا المجال، وهناك أيضا توجه، كما سبق أن ذكرت، نحو تشديد العقوبات، لكن الأمر لا يقتصر على الجانب الزجري فقط، بل يتطلب أيضا عملا تحسيسيا واسع النطاق، يشمل جميع المستويات التعليمية، سواء الابتدائية أو الإعدادية أو الثانوية، إضافة إلى انخراط المجتمع المدني الذي يشتغل في هذا القطاع للقيام بدوره كاملا، كما أن وسائل الإعلام مطالبة ببذل جهد أكبر، بحيث لا تقتصر على بث النداءات أو الإعلانات، وإنما تقدم للمواطنين، عبر برامج هادفة ومتخصصة، شرحا وافيا للخسائر التي تسببها هذه الحرائق على مستوى الصحة البشرية، وعلى التوازن البيئي، وما لذلك من عواقب وخيمة على الحاضر والمستقبل، وعلى حياة الأجيال القادمة.