برؤية تتجاوز البعد التقني إلى الأفق الجيوسياسي، رسم عمر هلال، السفير الممثل الدائم للمملكة المغربية لدى الأمم المتحدة، ملامح مستقبل المغرب الرقمي، معتبرا أن مشروع "الذكاء الاصطناعي بصنع مغربي" (AI Made in Morocco) ليس مجرد مبادرة تكنولوجية، بل "عقيدة دبلوماسية جديدة" ترسخ السيادة الرقمية وتكرس قوة ناعمة تدعم الإشعاع القاري للمملكة.
جاء ذلك خلال مداخلته ضمن اليوم الدراسي الذي نظمته وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، صباح اليوم الإثنين بالرباط، حول موضوع "الرؤية الجيوسياسية لمشروع الذكاء الاصطناعي بصنع مغربي.. القوة الناعمة الرقمية وأداة للتعاون جنوب–جنوب".
قوة ناعمة حقيقية
ويشكل هذا المشروع، وفق هلال، أحد المرتكزات الأساسية لاستراتيجية المملكة في التحول الرقمي وتعزيز حضورها كفاعل تكنولوجي في إفريقيا والعالم العربي.
وتابع: "في عالم تتسع فيه الفجوات الرقمية وتتعاظم فيه اللاعدالة التكنولوجية، يمثل مشروع الذكاء الاصطناعي بصنع مغربي ليس فقط خيارا استراتيجيا، بل تعبيرا عن التزام المغرب بالعدالة والتعاون والسيادة المشتركة مع دول الجنوب، خاصة العربية والإفريقية".
وأضاف أن "رهاننا اليوم هو تحويل طموح هذا المشروع إلى قوة ناعمة حقيقية تكرس إشعاع المغرب القاري والدولي، عبر شراكات متوازنة شمال–جنوب وتعاون جنوب–جنوب وثلاثي يقوم على التضامن والإبداع وتقاسم الخبرة".
وشدد الدبلوماسي المغربي على أن "تجربة المغرب في الذكاء الاصطناعي الأخلاقي والمسؤول تحمل كل مقومات النجاح لتصبح قصة رقمية ملهمة ومرجعا عالميا"، مؤكدا أن هذه الدينامية ستعزز مكانة المملكة كبلد منفتح على الابتكار والتعاون الإقليمي ومتموقع بقوة على الساحة الدولية.
تحولات رقمية
أبرز هلال أن مشروع "الذكاء الاصطناعي بصنع مغربي" يأتي في سياق عالمي حافل بالتحولات التكنولوجية الكبرى، مشيرا إلى ثلاثة تطورات رئيسية تبرز أهمية المبادرة المغربية في المشهد الدولي الجديد.
وأوضح أن القطاع دخل مرحلة تصنيع واسعة النطاق، بعدما تجاوزت الاستثمارات الخاصة 202 مليار دولار سنة 2025، وانتقلت النماذج من مليارات إلى تريليونات من المعاملات الحسابية في ثلاث سنوات فقط، بينما تسجل قدرات الحواسيب العملاقة الخاصة بالذكاء الاصطناعي معدل نمو سنوي يبلغ 150 في المائة منذ 2019.
وأشار إلى أن هذه الطفرة التقنية تخفي وراءها سباقا جيوسياسيا محتدما، إذ تتركز 60 في المائة من الكفاءات التقنية لدى الشركات الأمريكية، فيما تمتلك الصين أكثر من نصف براءات الاختراع العالمية وتتحكم في 80 في المائة من المواد الأولية الضرورية. أما أوروبا، فاختارت نهج التنظيم عبر قانون "الذكاء الاصطناعي الأوروبي (AI Act)"، في حين تراهن الولايات المتحدة والصين على السحب السيادية لضمان أمن بياناتهما.
وأضاف أن القارة الإفريقية لا تمتلك سوى 2 في المائة من القدرة العالمية لتخزين البيانات، موزعة على نحو 200 مركز فقط، مما يجعلها الحلقة الأضعف في البنية التحتية الرقمية العالمية، رغم أن 74 دولة اعتمدت استراتيجيات وطنية للذكاء الاصطناعي، منها 45 في المائة من بلدان الجنوب. ومع ذلك، لا تستقطب إفريقيا سوى 1.5 في المائة من الاستثمارات الدولية، ما يعكس الحاجة إلى تعاون أكثر عدلا وتوازنا.
رؤية استباقية
أكد هلال أن المغرب اختار التحرك برؤية استباقية عبر مشروع "الذكاء الاصطناعي بصنع مغربي"، بهدف تمكين المملكة من أدوات العصر الرقمي وتعزيز اقتصاد يقوم على الابتكار والاستدامة. وأبرز أن شبكة معاهد "الجزري" (Jazari) تعد الأداة المركزية لتنزيل المشروع، من خلال تحويل التوجهات الاستراتيجية إلى مشاريع تطبيقية في مجالات متعددة، من التعليم إلى الخدمات العمومية.
واعتبر أن المشروع يشكل فرصة جيوسياسية لتحويل التحولات العالمية في الذكاء الاصطناعي إلى رافعة للريادة الإقليمية، متسائلا: "كيف يمكن لهذا المشروع أن يجعل من المغرب مركزا رقميا قاريا؟".
سيادة رقمية وطنية
وأوضح هلال أن المشروع يكرس مفهوم السيادة الرقمية الوطنية من خلال تحكم المغرب الكامل في بنياته التحتية الرقمية، وعلى رأسها السحابة السيادية المغربية التي أطلقت سنة 2025. وتهدف هذه المقاربة إلى ضمان أمن البيانات الوطنية وحمايتها من أي مخاطر خارجية عبر بقائها داخل التراب الوطني وخضوعها للقوانين المغربية.
وأكد أن المشروع يتجاوز البعد التقني ليغدو نموذجا قاريا للتحرر من التبعية التكنولوجية، كما يشكل أداة دبلوماسية ناعمة تتيح للمغرب تصدير نموذج تكنولوجي منسجم مع خصوصيات بلدان الجنوب.
تعاون تضامني بثلاثة أبعاد
أوضح السفير المغربي أن هذا التوجه يأتي تنفيذا للتوجيهات الملكية الداعية إلى توظيف الذكاء الاصطناعي في خدمة التنمية المشتركة، ويتجسد عبر ثلاثة مستويات من التعاون: جنوب–جنوب، وشمال–جنوب، وتعاون ثلاثي.
وأبرز أن المشروع يسمح للدول النامية بابتكار حلول محلية تسهم في تحقيق أهداف التنمية المستدامة وتقليص الفوارق الرقمية. وأشار هلال إلى أن تقرير Nature Communications أظهر أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساهم في 134 هدفا من أصل 169 هدفا أمميا، ويساعد في تسريع تنفيذ 80 في المائة من أهداف التنمية إذا استخدم بمسؤولية.
وأضاف أن هذا التوجه ينسجم مع "نداء الرباط 2024"، الصادر عن المنتدى الإفريقي حول الذكاء الاصطناعي، الذي دعا إلى حوكمة عالمية منصفة تضع إفريقيا والإنسان في صلب الاهتمام. كما توقف عند تجربة المركز الرقمي من أجل التنمية المستدامة (D4SD)، الذي أحدث بشراكة بين وزارة الانتقال الرقمي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، كنموذج للتعاون العربي–الإفريقي في المجال الرقمي.
تعاون شمال–جنوب
وذكر أن المغرب يراهن على شراكات استراتيجية مع فاعلين دوليين لنقل الخبرة وتعزيز الابتكار المحلي، من أبرزها اتفاق Mistral AI لتطوير نماذج لغوية تتعامل مع العربية ولهجاتها المحلية، واتفاق Onepoint لإنشاء مركز تميز في البيانات والذكاء الاصطناعي، إلى جانب تعاون مرتقب مع OpenAI.
وأشار هلال إلى أن حضور شركات عالمية مثل Oracle وHuawei، وانضمام Nvidia إلى مشاريع البنى التحتية الرقمية بالمغرب، يعكس الثقة الدولية في القدرات الرقمية للمملكة.
أما البعد الثالث، فيتمثل في التعاون الثلاثي الذي يجمع بين خبرة الشمال وكفاءة الجنوب بدعم المنظمات الدولية، من خلال مبادرات مثل منصة South-South Galaxy ومختبر حلول الأمم المتحدة للتعاون جنوب–جنوب، في إطار قيادة المغرب للجنة العليا للتعاون جنوب–جنوب داخل الأمم المتحدة.
وأوضح هلال أن تمويل هذه الاستراتيجية يمكن أن يستلهم التجربة المغربية مع الصندوق الأخضر للمناخ، عبر الصندوق العالمي للذكاء الاصطناعي الذي أنشئ سنة 2024 بميزانية قدرها 3 مليارات دولار، مستفيدا من نتائج مؤتمر إشبيلية الرابع للتمويل من أجل التنمية المنعقد سنة 2025.
تعبئة دبلوماسية
أكد عمر هلال أن المشروع يحمل بعدا دبلوماسيا واضحا، إذ يسهم في ترويج المغرب كقوة تكنولوجية صاعدة على الساحة الدولية، من خلال دبلوماسية رقمية تعكس التوجيهات الملكية في تعزيز التعاون جنوب–جنوب.
وأشار إلى أن المغرب شارك مع الولايات المتحدة في صياغة أول قرار أممي حول الذكاء الاصطناعي، الذي تم اعتماده في مارس 2024، كما يترأس مجموعة أصدقاء الأمم المتحدة للذكاء الاصطناعي من أجل التنمية المستدامة، ويقود التحالف الإفريقي للعلم والتكنولوجيا والابتكار في نيويورك.