دراسة مغربية تدق ناقوس الخطر: تراث آيت بوكماز المعماري الفريد يواجه الزوال

محمد فرنان

كشفت دراسة علمية أن التراث المعماري المحلي العريق في وادي أيت بوكماز بقلب الأطلس الكبير المتوسط، بما في ذلك المخازن الجماعية "إيغودار" ومنازل القصبات، يعاني من حالة تدهور متقدمة ومقلقة تهدد بزواله.

الدراسة الصادرة عام 2025 ضمن منشورات "Materials Research Proceedings 47"، يتوفر "تيلكيل عربي" على نُسخة منها، تحمل عنوان "جبال أيت بوكماز في الأطلس الكبير المتوسط المغربي: مختبر للعمارة المحلية - مقال تركيبي" (The Ait Bouguemez Mountains in Moroccan central High Atlas: A laboratory for vernacular architecture - synthesis essay)، وتقدم رؤية شاملة لأهمية هذا الإرث الحضاري وسبل إنقاذه.

أعد هذه الدراسة فريق من الباحثين المغاربة من "مختبر ديناميات المشهد والمخاطر والتراث" التابع لكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة السلطان مولاي سليمان في بني ملال، وهم جمال شهرو، ومحمد المايوسي، وفريد جعا.

وبصفتهم أساتذة في الجغرافيا متخصصين في التخطيط الحضري والتراث، قام الفريق برحلات ميدانية بهدف جرد ودراسة وفهم هذه العمارة المحلية الفريدة في المغرب، ووضع برنامج عمل لتوثيق إمكاناتها المعمارية وتصنيف المواقع بناء على أهميتها التراثية ودرجة تدهورها.

خلافا للأفكار المسبقة، تؤكد الدراسة أن هذه العمارة المحلية لم تكن يوما حلا مفروضا بسبب الصعوبات الاقتصادية، بل هي "استجابة علمية متطورة للغاية"، فقد استخدم الإنسان بذكاء ومعرفة علمية متقدمة مواد مثل التراب في البيئات القاحلة، والحجر والأسقف المنحدرة في المناطق الجبلية الممطرة والثلجية، مما أدى إلى نشوء أنماط معمارية متنوعة تتكيف مع الظروف المناخية وتندمج مع المشهد الطبيعي المحيط.

وفي مناطق الجنوب الشرقي للمغرب، تتخذ هذه العمارة ثلاثة أشكال رئيسية: القصبات، والقصور، والمخازن الجماعية المحصنة المعروفة باسم "إيغودار" أو "إيغرمان".

تركزت الدراسة على منطقة وادي أيت بوكماز، التي تقع على بعد 170 كم شرق مراكش على ارتفاع يتراوح بين 1800 و2200 متر فوق سطح البحر.
ولتقييم حالة التراث، قام الباحثون بتطوير منهجية كمية لتقييم المخازن الجماعية، مستوحاة من طرق أوروبية بهدف تقليل ذاتية التقييم وتوضيح المعايير العلمية.
وعلى مدار المشروع البحثي الذي امتد من عام 2017 إلى 2022، تم جرد ودراسة ما مجموعه 60 موقعا ذا أهمية خاصة، تم من بينها اختيار ستة مخازن جماعية لإجراء تقييم معمق.

كشفت نتائج التقييم الرقمي عن تباين كبير في حالة المواقع؛ فقد حصل مخزن "سيدي موسى" على أعلى قيمة علمية (0.68) بفضل حالته الجيدة بعد ترميمه من قبل اليونسكو، وتصميمه الدائري النادر على المستوى الوطني، وسلامته الهيكلية التي سجلت درجة كاملة (1).

في المقابل، أظهرت الدراسة أن أربعة من المخازن الستة (4/6) تعاني من سلامة هيكلية منخفضة جدا (حوالي 0.25)، وسجل مخزنا "أكوتي" و"أيت مجول" قيمة علمية ضعيفة بلغت 0.31 بسبب حالتهما السيئة.

وفيما يتعلق بالقيم الإضافية، سجلت المواقع قيمة جمالية مرتفعة بمعدل (0.74) نظرا لأشكالها المثيرة للإعجاب ومواقعها المطلة على التلال.

إلا أن القيم الأخرى كانت ضعيفة، حيث بلغت القيمة الثقافية (0.29)، والقيمة البيئية (0.10)، أما القيمة الاقتصادية فكانت شبه منعدمة بمعدل (0.083)، مما يعكس حالة الهجران التي تعاني منها هذه المباني.

ويعد مخزن "سيدي موسى" استثناء مرة أخرى، حيث يمتلك قيمة اقتصادية وثقافية معتبرة بفضل رمزيته الدينية ورسوم الدخول التي يدفعها السياح لزيارته.
تخلص الدراسة إلى أنه على الرغم من الجهود البحثية والأكاديمية، فإن عملية تفكك وتلاشي العمارة المحلية تتسارع يوما بعد يوم، مع تفاقم الوضع بسبب المشاكل التقنية والمالية التي تحول دون التدخل لإنقاذها.

ويؤكد الباحثون أن الحفاظ على ما تبقى من هذا "التراث الألفي" للأجيال القادمة هو مهمة معقدة ولكنها تمثل فرصة لجميع المعنيين، لما تحمله هذه العمارة من دروس مادية وغير مادية لا تقدر بثمن.