قال أحمد عصيد، الناشط الحقوقي والباحث الأمازيغي، إن قرار وزارتي الداخلية والصحة والحماية الاجتماعية الذي يقضي بحياد سيارات نقل الأموات "ليس حادثة عادية أو بسيطة"، بل يندرج ضمن خطوة ديمقراطية يروم تكريس حياد المرفق العمومي.
وأوضح عصيد، في فيديو مصور منشور على صفحته الرسمية "فيسبوك"، أن المرفق العمومي في الدولة الديمقراطية ينبغي أن يكون محايدا، ويخدم جميع المواطنين بغض النظر عن ألوانهم أو أصولهم أو لغاتهم أو معتقداتهم، مبرزا أن الدولة المغربية تحتضن كل مواطنيها وتقدم لهم خدماتها دون تمييز.
واعتبر المتحدث ذاته أن استبدال عبارة "نقل أموات المسلمين" بصيغة محايدة ليس مجرد قرار تقني، بل قرار سياسي ذو حمولة رمزية قوية، مضيفا أن الموت، من حيث المبدأ، يساوي بين الجميع، ولا يفرق بين غني وفقير، أو حاكم ومحكوم، أو بين الأعراق والألوان، مشيرا إلى أن الدولة، بحكم مسؤوليتها في حماية الجميع، مطالبة بأن تساوي بين المواطنين لا في الموت فقط، بل في الحياة أيضا.
وسجل الناشط الحقوقي أن الإبقاء على عبارة الخدمة في "أموات المسلمين" كان يطرح حرجا عند نقل جثامين غير مسلمين وأحيانا يتم حجبها، خاصة حين يتعلق الأمر بأجانب، معتبرا أن القرار الجديد قرار في الصميم ومواطن ديمقراطي.
وفي تحليله لخلفيات الجدل، أشار عصيد إلى أن ما كان يمنع هذا التحول هو تصور "اختزالي" للهوية، يقوم على اعتبار المغرب بلدا للمسلمين مع وجود أقلية يهودية فقط، موضحا أن الواقع المجتمعي أظهر أن هذا غير صحيح بل كان يتم الترهيب عدد الناس من أجل الصمت ويتعلق الأمر بالمسيحيين والبهائيين والأحمديين والشيعيين وغيرها، إضافة إلى لا دينيين و لاربوبيين والملحدون، وجميعهم مواطنون يتوفرون على بطاقات تعريف وطنية ويؤدون الضرائب، ما يجعل الدولة ملزمة بخدمتهم وفق منطق المواطنة بغض النظر عن العقيدة والنسب.
وأشار إلى أن المغرب عاش مسارا تطوريا بطيئا انتقل فيه من الهوية الاختزالية إلى الاعتراف بالتعدد، مذكرا بالانتقال من الدولة المتمركزة إلى الجهوية الموسعة والمتقدمة، ثم الاعتراف بالتنوع الثقافي واللغوي ودسترة الأمازيغية كلغة رسمية إلى جانب العربية.
وسجل أن المرحلة الراهنة تستدعي الانتقال من الأحادية الدينية وإخفائها التعددية الدينية على أنها "طابوهات ومحرمات" إلى الاعتراف بالتعددية الدينية.
وربط عصيد هذا المسار بتوقيع المغرب في مارس سنة 2014 على التزامات دولية تتعلق باحترام حرية المعتقد، مسجلا أن الدولة أصبحت ملزمة باحترام حرية المعتقد والمتدينين ومؤسساتهم، والتعامل مع جميع المواطنين على قدم المساواة.
وأضاف أن هذا الواقع يعكس وجود تعددية دينية داخل المجتمع المغربي يجب رعايتها، مشيرا إلى أن الديمقراطية تقاس أيضا بمدى حماية حقوق الأقليات، لأن هضم حقوق هذه الفئات من أجل خدمة الأغلبية وحدها يجعل الدولة غير ديمقراطية، ويدفع بها نحو منطق القهر والاستبداد.
ولفت عصيد إلى أن المغرب انتقل من مرحلة التجاهل إلى بدايات الاعتراف بما أسماه المجال المشترك، مشيرا إلى ضرورة توضيح معنى العيش المشترك ومعنى التعددية واحترام التنوع، خاصة في ظل دولة تعيش مسلسلا ديمقراطيا وتطوريا لا ينبغي أن تتخذ قرارات تصدم المجتمع دون تمهيد.
وتابع أن الفكرة القديمة التي كانت تعتبر أن المغاربة جميعهم مسلمون ولا وجود لغير ذلك بدأت تتراجع، مقابل ترسيخ مبدأ حياد الدولة والمؤسسات والمرفق العمومي.
وأوضح أن حياد سيارات نقل الأموات لا يعني إلغاء الطقوس الدينية، وأن طقوس الدفن ستبقى كما هي بالنسبة للمسلمين واليهود والمسيحيين وغيرهم، وأن الحياد يهم فقط وسيلة النقل، فيما تظل الشعائر الدينية تمارس وفق عقائد أصحابها، سواء في المساجد أو الكنائس أو غيرها من أماكن العبادة، وبالدفن في المقابر الخاصة بكل ديانة، لافتا إلى أن هناك مطالب لمسيحيين مغاربة من أجل دفنهم بمقابر المسيحيين عوض دفنهم بمقابر المسلمين.
وانتقد عصيد بعض المواقف المعارضة التي ترى في القرار مساسا بالدولة إسلامية، معتبرا أنها تنطلق من تصور هوياتي إقصائي يختزل الهوية في مكون واحد هو الإسلام، في حين أن الهوية وطنية.
وقال "إن هناك من يعتبر هذا القرار خطوة علمانية، معتبرا أن مثل هذا الطرح غير سليم، لأن المستفيد الأكبر من الاعتراف بالجميع هو الوطن"، مضيفا بالقول إن الدولة لا تزيل الدين من المجتمع ولا من قلوب المؤمنين، لكنها تمنع نفسها من احتكار الدين أو تمثيله، مبرزا أنه لا يمكن للدولة أن تعلن تمثيل دين معين.
وفي هذا السياق، أشار إلى أن إمارة المؤمنين في المغرب تضطلع بدور حماية جميع المواطنين بغض النظر عن عقيدتهم، مستحضرا الخطاب الملكي الذي أكد فيه الملك محمد السادس أنه ليس أمير المسلمين فقط، بل أمير جميع المؤمنين، واصفا هذا التوجه بأنه عميق.