فاجعة فاس.. "كريانات عمودية"

أحمد مدياني

فاجعة أخرى، تفتح بابنا مشرعا لـ"فرجة سوداء" في توقيت يتم فيه التركيز أكثر على المغرب.

متى يتوقف مسلسل خطف الأرواح تحت الركام؟ من المسؤول عن أجزائه غير المتناهية؟ أين تكتب فصول حلقاته المحزنة؟ ولماذا يستمر الصمت تجاه توفير بلاطوهات إنتاج مشاهده المرعبة؟!

الإجابة عن الأسئلة بقدر سهولتها تنطوي على صعوبة، لأن من يجب أن يراقب ويُحاسب ويمنع ويحرص على احترام القوانين والمعايير، هو نفسه من يقترف عكس ما سبق ذكره تماما.

حسب آخر عرض قدمته وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة أمام البرلمان، العام الجاري، تم إحصاء أكثر من 43 ألف بناية مهددة بالسقوط في المغرب.

جرد جرى في إطار برنامج 2022 /2026 الذي يستهدف إعادة تأهيل البنايات الآيلة للسقوط، وشمل إجراء خبرات على أكثر من 57 ألف منزل، أشارت الوزارة إلى معالجة 20 ألف منها.

الأرقام الرسمية تبقى كما تحمله من صفة، لأن الواقع شيء آخر تماما.

لماذا؟

لأن فاجعة فاس، التي راح ضحيتها، حسب آخر حصيلة، 22 شخصا بينهم أطفال وحوامل، وإصابة 16 شخصا، تدفع لمراجعة شاملة لملف تصنيف البنايات الآيلة أو المهددة بالانهيار.

"منطقة المسيرة" أو "حي المستقبل" (اسم موقعه الرسمي)، حيث انهار المنزلان، بدأ تشييده عام 2006، في إطار برنامج "مدن بدون صفيح"، بعدما استفاد سكان عدد من الدواوير التي كانت تحيط بالعاصمة العلمية، من بقع أرضية، قصد تشييد منازل من طابقين.

هل تم احترام ما هو متضمن في تراخيص البناء؟

الجواب: لا طبعا!

حسب الصور والفيديوهات الواردة من محيط وقوع الفاجعة، تلاحظ عشوائية تامة تكتسح كل المباني. تشوهات عمرانية ومخالفات لمعايير البناء والسلامة، يمكن رصدها بالعين المجردة دون الحاجة لصرف الملايين لإجراء الخبرات.

طيلة 19 سنة، ظلت السلطات المحلية تتفرج، والمنتخبون يمرون وسط أزقة الحي، دون أن يصيح أحدهم "أش هد المنكر المعماري!".

ما وقع ليلة الثلاثاء/الأربعاء بفاس يفرض، اليوم، إعادة شاملة لبرنامج إنقاذ عدد من البنايات كي لا تتحول لقبور. ووضع آلية جديدة صارمة، تخرج سلطة المراقبة والردع من بين يدي التدبير الحصري للمقدم والشيخ والقيد والباشا...

لأن هؤلاء، قليلا ما يحاسبون... صمت واحد منهم عن مثل ما وقع بفاس وغيرها من المدن سابقا يكلف الأرواح... يأكل من رصيد وطن يخاطب العالم بأن قطار "المغرب الصاعد" انطلق بأقصى سرعة... مغرب "الكان" و"المونديال" وتسجيل القفطان لدى منظمة "اليونسكو" تراثا مغربيا على قائمتها التمثيلية...

بعد الواقعة، وخلال نقاش مع أحد الزملاء الذي اقتنى "قبر الحياة" مؤخرا، داخل إقامة شيدت قبل سنتين فقط، علق قائلاً:

"أنا شاري في بني جديد وبسبب الأعطاب لي بديت نصلح... في الصرف الصحي والشقوق والنوافذ... وليت خايف شي نهار يطيح..."

والأكيد أن حال الزميل في الحرفة، مثل حال ملايين المغاربة. لأنه حين تغيب المراقبة وتحضر بالمقابل التجاوزات، انتظر الكوارث.

أو كما علق أحد المتابعين لحسابي على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" تحت خبر فاجعة فاس:

"حاربو الكريان الأفقي ودارو كريان عمودي..."

مواضيع ذات صلة