فتاح: المغرب لا يريد أن يُختزل في نموذج "اليد العاملة الرخيصة".. واقتصادا الرباط ومدريد يترقيان معا

منير أبو المعالي

قالت نادية فتاح، وزيرة الاقتصاد والمالية، أن الشراكة الاقتصادية بين المغرب وإسبانيا دخلت مرحلة جديدة عنوانها تكامل المنصات الصناعية واللوجستية بين البلدين، مبرزة أن على إسبانيا أن تنظر إلى ميناء طنجة المتوسّط باعتباره "حلًّا إضافيًا لتعزيز قدرتها التنافسية"، وليس منافسا لميناء الجزيرة الخضراء.

وخلال حوار مع صحيفة اقتصادية إسبانية على هامش الاجتماع رفيع المستوى بين الرباط ومدريد، شددت فتاح على أن المغرب يراهن على جعل علاقته مع إسبانيا نموذجا لتعاون متوازن يقوم على تقاسم القيمة المضافة، وتبادل الخبرات، وتوطين الاستثمار، في سياق إقليمي ودولي يتجه نحو إعادة تموقع سلاسل الإنتاج قرب الأسواق الرئيسية.

 

نموّ متواصل في المبادلات التجارية واستثمار متزايد في الثقة

أوضحت الوزيرة أن أرقام التبادل التجاري تعكس قوة المنحى الحالي؛ إذ سجل المغرب وإسبانيا خلال السنوات العشر الأخيرة معدل نمو سنويا يقارب 9% في المبادلات، فيما ارتفعت قيمة التجارة الثنائية بأكثر من 59% مقارنة بسنة 2019، التي تُعدّ مرجعًا سابقا على جائحة كوفيد-19.

ويستورد المغرب من إسبانيا حوالي 11 مليار يورو سنويا، ويصدّر ما يقارب 9 مليارات يورو. غير أن فتاح تشدد على أن "الأهم ليس فقط من يبيع ومن يشتري، بل حجم القيمة التي ننتجها ونربحها معًا على ضفتي المتوسط".

 

الطاقة والسيادة الطاقية في صلب الشراكة

اعتبرت نادية فتاح أن الطاقة من أبرز المجالات ذات الأولوية في التعاون الثنائي، لكون البلدين يتقاسمان الرؤية نفسها حول السيادة الطاقية، وخفض كلفة الكهرباء، وتسريع الانتقال نحو الطاقات المتجددة.

وأشارت إلى أن إسبانيا قطعت أشواطًا متقدمة في إنتاج الكهرباء الخضراء، وأن المغرب يشتغل معها "كأصدقاء وجيران واعين بالمسؤولية الإقليمية المشتركة"، سواء عبر الربط الكهربائي، أو عبر الاستعانة بالغاز والدعم الشبكي عند الحاجة، في أفق بناء سوق طاقية إقليمية أكثر تكاملًا واستقرارًا.

 

منسوب متزايد من الطلبة المغاربة في الجامعات الإسبانية

في جانب الموارد البشرية، توقفت فتاح عند تطور حضور المغاربة في المنظومة التعليمية الإسبانية، سواء في المدارس أو الجامعات، معتبرة أن تزايد عدد الطلاب المغاربة في التعليم الإسباني "مكسب للبلدين".

وأبرزت أن انتشار المدارس الإسبانية، وتوفر عروض تعليمية بالإسبانية والإنجليزية، يجعل من إسبانيا وجهة جذابة للطلبة المغاربة، مشيرة إلى أن التعارف والتقارب بين الكفاءات في البلدين هو أحد المحركات الحقيقية لاقتصاد المستقبل.

كما دعت إلى تعزيز الشراكات بين الجامعات ومؤسسات التكوين المهني، مع إعطاء أهمية خاصة للتكوينات التقنية المرتبطة بالمشاريع المشتركة، مثل السكك الحديدية، واللوجستيك، والصناعة.

 

إطار ضريبي مستقر وحوافز واضحة للمستثمر الإسباني

قدمت وزيرة الاقتصاد صورة عن البيئة الاستثمارية في المغرب، معتبرة أن قوة العرض المغربي تقوم على ثلاثة مستويات رئيسية:

إطار ضريبي واضح ومستقر:

تؤكد فتاح أن المغرب يحرص على استقرار القواعد الجبائية، بحيث تبقى نسب الضرائب ثابتة على مدى عدة سنوات، "لأن المستثمر يحتاج إلى رؤية تمتد لخمس أو عشر سنوات، وليس لتغييرات مفاجئة كل سنة"، خاصة بالنسبة للمقاولات الصغيرة والمتوسطة.

بنيات تحتية متطورة:

وتشمل الموانئ (طنجة المتوسّط، الناظور، دكار لاحقًا)، والطرق السيارة، وشبكات الاتصال، التي لا تخدم فقط جذب الاستثمار الأجنبي، بل أيضًا تأهيل التراب الوطني وربط جهاته بمراكز الإنتاج والتصدير.

المغرب كمنصة (Hub):

تعرض الوزيرة المغرب كمنصة متعددة الاتجاهات: بوابة نحو أوروبا عبر القرب الجغرافي والربط البحري والجوي. ومنفذ نحو إفريقيا بفضل حضور استثماري مغربي واسع في عدد من البلدان الإفريقية. وفضاء جذاب للكفاءات، بما فيها الشباب الإسبان الذين "يجدون في طنجة والدار البيضاء مدينتين مناسبتين للعيش والعمل"، على حد تعبيرها.

 

فرص حقيقية للمقاولات الصغيرة والمتوسطة الإسبانية

 

ترى فتاح أن المقاولات الصغيرة والمتوسطة الإسبانية تمتلك آفاقًا واسعة في المغرب، معتبرة أن القرب الجغرافي والتقارب الثقافي يسهلان عملية التوسع الخارجي دون تعقيدات كبيرة.

وفي المقابل، تعمل الرباط على تثمين نسيجها المقاولاتي من خلال تحفيز مقاولات يتراوح رقم معاملاتها بين 100 ألف و5 ملايين يورو، بغض النظر عن جنسية رأسمالها، عبر ميثاق استثمار جديد يتضمن آليات دعم موجهة للمقاولات الصغيرة والمتوسطة.

 

طنجة المتوسّط والجزيرة الخضراء… منافسة أم تكامل؟

ردت نادية فتاح على الأصوات التي ترى في ميناء طنجة المتوسّط منافسا لميناء الجزيرة الخضراء الإسباني، بالتأكيد على أن الفلسفة المغربية في البنيات التحتية تقوم على خلق أثر اقتصادي حول المشاريع المينائية، وليس فقط بناء أرصفة جديدة.

وأوضحت أن طنجة المتوسّط، المرتبط اليوم بـ180 ميناء عبر العالم، يمثل استثمارا استراتيجيا ضخما للمغرب، وخلق آلاف مناصب الشغل في المناطق الصناعية المحيطة به. لكنها شددت في المقابل على أن التحدي الحقيقي للبلدين هو إنجاح "الممر البحري المتوسطي" المشترك، الذي يُعدّ من أهم ممرات التجارة العالمية وأكثرها أمانا.

وتابعت أن كلًا من طنجة المتوسّط والجزيرة الخضراء يقتربان من طاقتهما القصوى، ما يجعل الرهان اليوم هو تقديم صورة شريكين يوفران معًا قدرة استيعاب وتنافسية أكبر لشركات الشحن الدولية، معتبرة أن على إسبانيا أن ترى في المغرب "حلًّا لتعزيز تنافسيتها، وليس مجرد بديل احتياطي".

 

من الهشاشة إلى "مناعة" اقتصادية أفضل

على مستوى الرهانات الداخلية، أشارت فتاح إلى أن المغرب، مثل إسبانيا، خرج من سلسلة صدمات عالمية متتالية (الجائحة، اضطراب سلاسل التوريد، توترات جيوسياسية) بقدر أكبر من "المناعة الاقتصادية".

وسجلت أن المملكة حافظت على توازنات ماكرو اقتصادية أساسية، وهو ما تُوِّج بالحصول على درجة "الاستثمار" في التصنيفات الائتمانية. كما أطلقت إصلاحًا ضريبيًا واجتماعيًا لتوسيع القاعدة الجبائية وتعزيز العدالة الاجتماعية. ناهيك عن عملها على تنويع الاقتصاد، بحيث لم يعد أداء الناتج الداخلي الإجمالي رهينًا كليًا بالعوامل المناخية، رغم استمرار تأثير الجفاف على الفلاحة.

 

النيرشورينغ… المغرب يرفض صورة "الاقتصاد منخفض الكلفة"

وتطرقت نادية فتاح لمفهوم إعادة توطين الصناعات قرب الأسواق (Nearshoring)، مؤكدة أن المغرب يُعتبر اليوم خيارًا جديًا للشركات الأوروبية الراغبة في تقصير سلاسل التوريد، خصوصًا في القطاعات الاستراتيجية مثل الصناعات الدوائية.

لكن الوزيرة شددت على أن الرباط لا تريد أن تُختزل في نموذج "اليد العاملة الرخيصة"، موضحة أن الحد الأدنى للأجور في المغرب وإن كان أقل من نظيره في إسبانيا، فإن الهدف هو الارتقاء التدريجي بالأجور وبمستوى خلق القيمة، من خلال صناعات ذات محتوى تكنولوجي ومعرفي أعلى.

وقالت إن المغرب لا ينافس على قاعدة "الكلفة المنخفضة"، لأن هناك دولا أرخص بكثير، بل يراهن على القيمة المضافة، والاستقرار، والبنيات التحتية، والقرب من الأسواق، وجودة الكفاءات، مؤكدة أن قوة الشراكة المغربية–الإسبانية تقوم على أن "اقتصادي البلدين يترقيان معا، وليس على حساب أحدهما".