في اجتماع لجنة العدل والتشريع بمجلس النواب، أمس الأربعاء، خلال مناقشة تعديلات مشروع القانون التنظيمي للمحكمة الدستورية، وجّه سعيد بعزيز، النائب البرلماني باسم حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، انتقادات حادة إلى المشروع، مركزا على المواد المتعلقة بتجديد ولاية أعضاء المحكمة، معتبرا أن هذه المواد قد صيغت على مقاس بعض الأشخاص.
لا يكشف بعزيز بالضبط أسماء أو صفات هؤلاء الأشخاص الذين سيستفيدون من هذه المواد. لكن بعض التلميحات الصادرة عن أعضاء بالتنجحاد الاشتراكي تشير على سبيل المثال، إلى رئيس المحكمة، محمد أمين بنعبد الله، الذي كان عضوا بالمجلس الدستوري ما بين 2008 و2017، عاد رئيسًا للمحكمة الدستورية في الصيغة الجديدة منذ عام 2023. ويفتح مشروع القانون الجديد الباب لتجديد الولاية مرتين خلافًا لما كان معمولًا به في الماضي.
طبقا للفصل 130من الدستور“ تتألف المحكمة الدستورية من اثني عشر عضوا، يعينون لمدة تسع سنوات غير قابلة للتجديد، ستة أعضاء يعينهم الملك، من بينهم عضو يقترحه الأمين العام للمجلس العلمي الأعلى، وستة أعضاء يُنتخب نصفهم من قبل مجلس النواب، وينتخب النصف الآخر من قبل مجلس المستشارين من بين المترشحين الذين يقدمهم مكتب كل مجلس ،وذلك بعد التصويت بالاقتراع السري وبأغلبية ثلثي الأعضاء الذين يتألف منهم كل مجلس وإذا تعذر على المجلسين أو على أحدهما انتخاب هؤلاء الأعضاء، داخل الأجل القانوني للتجديد، تمارس المحكمة اختصاصاتها، وتصدر قراراتها، وفق نصاب لا يُحتسب فيه الأعضاء الذين لم يقع بعد انتخابهم.
وتأسست المحكمة الدستورية في 4 أبريل 2017، وذلك بناءً على تعديلات دستور 2011 الذي رفع من مكانة المجلس الدستوري إلى محكمة دستورية. وبحسب المدة التي قضاها كل عضو على حدة في هذه المحكمة، فإن بعض أعضائها يدخلون سنتهم الأخيرة، إلا إذا اعتمد التعديل المتعقل بالتجديد.
ومن المرجح أن رئيس المحكمة الدستورية سيكون أبرز المستفيدين من التعديلات الجديدة، وفق مصادر بالاتحاد الاشتراكي، لكن هذه التعديلات قد تشمل أعضاء آخرين أيضا. ولدى الاتحاد الاشتراكي عضو في المحكمة الدستورية، ويتعلق الأمر بمحمد علمي، الذي بدأ ولايته في المحكمة منذ 2020.
يستمد بعزيز الانتقادات التي كالها لهذه المواد من رئيسه في الحزب، إدريس لشكر، الذي شن مطلع هذا الأسبوع هجوما قويا على هذه المواد. فقد وجّه الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي انتقادات قوية لمشروع تعديل القانون التنظيمي للمحكمة الدستورية، معتبرا أن بعض مضامينه “تفتح الباب لخلق قاعدة قانونية جديدة تتجاوز النص الدستوري الأصلي”، وتهدد مبدأ التجديد الدوري للأعضاء كما حدده الدستور في الفصل 130.
وقال لشكر خلال لقاء حزبي مخصص لمناقشة "مستجدات القضاء الدستوري"، إن المشروع يتضمن صياغات قد تمسّ جوهر قاعدة عدم تجديد ولاية أعضاء المحكمة لولاية ثانية، محذرا من أن أي تعديل يسمح بإكمال عضو معين أو منتخب لفترة تكميلية ثم إعادة تعيينه قد يؤدي إلى "تجاوز السقف الدستوري المحدد في تسع سنوات".
"قاعدة على المقاس" وتهديد لاستقرار المحكمة
ورغم أن بنعبد الله لم يكمل سوى سنتين على تعيينه رئيسا للمحكمة الدستورية، ما يجعله بعيدا عن مسألة التجديد الواردة في التعديلات الجديدة، إلا أن لشكر ركز أكثر على مادة في المشروع تجعل وضع بنعبد الله نفسه معنيا بهذه الانتقادات.
فالرئيس الحالي للمحكمة الدستورية عُين خلفا لسعيد إهراي، "الذي تعذر عليه مواصلة أداء مهامه"، وفق ما ذكر بلاغ رسمي صدر يوم تعيينه.
في هذا السياق، يوضح لشكر أن التعديل المقترح في المادة 14 من المشروع، والذي ينص على إمكانية إعادة تعيين العضو الذي أكمل ولاية سلفه في فترة تقل عن ثلاث سنوات، “قد يكون تشريعا على المقاس” ويمسّ بمبدأ المساواة بين الأعضاء المعينين والمنتخبين، مضيفا أن هذا التوجه "يهدد التوازن الذي حرص عليه الدستور". وأضاف المتحدث أن الصياغة الخطية للمادة 14 “تُخفي الكثير”، لأن تطبيقها سيؤدي إلى تمديد عضوية بعض الأعضاء لما يتجاوز تسع سنوات، في حين ينص الفصل الدستوري على أن كل عضو يعين لمدة واحدة غير قابلة للتجديد.
وشدّد لشكر على أن نص الفصل 130 واضح في التنصيص على تجديد ثلث أعضاء المحكمة كل ثلاث سنوات، مؤكدًا أن أي تغيير يخلّ بهذا الإيقاع، سواء بإطالة مدة ولاية عضو معين أو عبر إعادة تعيينه في فترة تكملية، يمس مباشرة روح هذا الفصل ويشكّل “خرقًا دستورياً”. واعتبر أن الحفاظ على استقرار المحكمة الدستورية يفرض احترام سقف التسع سنوات، وعدم إدراج أي استثناء “كيفما كان شكله”، لأن ذلك سيؤدي إلى اختلال توازن التمثيلية بين المعيّنين والمنتخبين.
"التشريع لا يُفصَّل على الأشخاص"
في الجانب المبدئي، ذكّر لشكر بأن الدولة الديمقراطية الحديثة لا تسمح بتشريعات مفصلة لفائدة أشخاص محددين، وأن أي تعديل يجب أن يحترم قواعد الحكامة والشفافية وحماية الحقوق والحريات. وأكد أن المساس بتراتبية الدستور "خط أحمر لا يقبل المساومة".