صادق مجلس المستشارين، اليوم الثلاثاء، في جلسة تشريعية، بالأغلبية، على مشروع قانون تنظيمي رقم 031.26 يقضي بتغيير وتتميم القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات، وذلك بعدما حظي بتأييد 59 مستشارا، دون تسجيل أي صوت معارض، فيما امتنع مستشاران عن التصويت.
وقال عبد الوافي لفتيت، وزير الداخلية، إن هذا المشروع يروم تقوية النجاعة التدبيرية، فضلا عن تعزيز الموارد المالية والاستقلالية المالية للجهات، بما يمكنها من الاضطلاع بمهامها التنموية في إطار من الحكامة والفعالية والالتقائية.
وأضاف الوزير أن المشروع وجه تدخل الجهة نحو دعم الاستثمار المنتج وتحفيز المبادرة المقاولاتية وفق معايير مؤطرة بنص تنظيمي، مع إقرار اختصاص إحداث وتنظيم مناطق الأنشطة الاقتصادية، والمساهمة في تعبئة العقار اللازم لها، بما يساهم في تحسين جاذبية المجالات الترابية وتهيئة شروط الاستثمار وخلق فرص الشغل.
كما تم، وفق لفتيت، تحديث بعض الاختصاصات المرتبطة بالتسويق والتوزيع، عبر إحداث المجمعات الجهوية لتسويق المنتجات الفلاحية والغذائية، بهدف تحسين سلاسل التسويق وتعزيز تنافسية المنتوج الوطني وضمان الأمن الغذائي.
وفي المقابل، أبرز المسؤول الحكومي أنه تم حذف بعض الاختصاصات التي تضطلع بها مؤسسات وطنية متخصصة وقطاعات حكومية أخرى، خاصة في مجالي التكوين المهني والنقل، مع إدراج اختصاص استراتيجي جديد يتعلق بالتنمية الرقمية، من خلال إعداد وتنفيذ المخطط المديري الجهوي للتنمية الرقمية، بما يواكب التحولات الرقمية ويعزز الحكامة الترابية الحديثة.
وشملت التعديلات، حسب الوزير، إعادة ضبط بعض اختصاصات التنمية القروية، وتحويل بعض المجالات ذات الطابع الاستراتيجي، كالثقافة والبيئة والطاقة، إلى اختصاصات مشتركة، بما يعزز التنسيق والالتقائية بين الدولة والجهات.
وأوضح لفتيت أن الممارسة الميدانية خلال السنوات الماضية أظهرت أن عددا من الجهات، رغم توفرها على برامج تنموية طموحة ومشاريع مهيكلة واعتمادات مالية مهمة، كانت تواجه صعوبات حقيقية على مستوى التنفيذ، سواء بسبب تعقد المساطر الإدارية، أو بطء اتخاذ القرار، أو تعدد المتدخلين، أو محدودية الكفاءات التقنية والتدبيرية القادرة على مواكبة الأوراش الكبرى.
وأضاف أن ذلك كان يؤدي، في عدد من الحالات، إلى تعثر الإنجاز وارتفاع الكلفة وتراجع الأثر التنموي المنتظر من المشاريع العمومية.
ومن هذا المنطلق، جاء المشروع، حسب الوزير، بإصلاح مؤسساتي هيكلي يتمثل في تحويل الوكالات الجهوية لتنفيذ المشاريع إلى شركات جهوية لتنفيذ المشاريع، في إطار توجه يروم تحديث أدوات التدبير الترابي واعتماد آليات أكثر مرونة وفعالية ونجاعة في تنفيذ المشاريع والبرامج التنموية.
وأبرز لفتيت أن هذا التحول المؤسساتي يهدف إلى تمكين الجهات من آلية تنفيذ حديثة ومتطورة، قادرة على مواكبة الأوراش الكبرى والمشاريع المهيكلة، وتسريع وتيرة الإنجاز، وتحسين جودة التنفيذ، وضمان تتبع أدق لمراحل إنجاز المشاريع، بما يسمح بتحقيق مردودية أفضل للاستثمارات العمومية وتعزيز آثارها الاقتصادية والاجتماعية على المستوى الترابي.
كما يندرج هذا الإصلاح، وفق الوزير، ضمن توجه أوسع يروم الانتقال من منطق التدبير الإداري التقليدي، الذي تحكمه أحيانا المساطر وتعقيداتها، إلى منطق تدبير حديث يرتكز على النجاعة والنتائج وجودة الأداء، ويقوم على اعتماد أدوات تدبير مرنة وأساليب حديثة في الحكامة والتصريف والتتبع والتقييم.
وسجل لفتيت أن الشركة الجهوية لتنفيذ المشاريع ستمكن من استقطاب الكفاءات والخبرات التقنية والتدبيرية المتخصصة التي تتطلبها طبيعة المشاريع التنموية الكبرى، خاصة في المجالات المرتبطة بالبنيات التحتية والتحول الرقمي والتنمية الاقتصادية والتجهيزات العمومية، بما يعزز القدرة التنفيذية للجهات ويرفع من جودة المشاريع المنجزة.
كما سيمكن هذا التحول، حسب المسؤول الحكومي، من تعبئة آليات تمويل أكثر تنوعا ومرونة، وتعزيز الشراكات المؤسساتية، وتطوير القدرات التدبيرية للجهات، بما يسمح بمواكبة الدينامية التنموية التي تعرفها مختلف جهات المملكة، والاستجابة بشكل أكثر فعالية للحاجات المتزايدة للمجالات الترابية.
كما نص المشروع، وفق لفتيت، على احتفاظ الجهة بأغلبية رأسمال هذه الشركة، بما يضمن الحفاظ على طابعها العمومي والاستراتيجي، مع إمكانية مساهمة أشخاص اعتبارية خاضعة للقانون العام، بما يعزز التكامل المؤسساتي ويمكن من تعبئة موارد إضافية وخبرات متنوعة لخدمة المشاريع التنموية.
وحرصا على تكريس مبادئ الحكامة الجيدة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، أشار الوزير إلى أن المشروع نص على إخضاع هذه الشركات لآليات المراقبة والافتحاص السنوي من طرف المفتشية العامة للمالية والمفتشية العامة للإدارة الترابية، بما يضمن حسن تدبير المال العام واحترام قواعد الحكامة والشفافية والنجاعة في تدبير المشاريع العمومية.
وفي ما يتعلق بدعم القدرات المالية للجهات وتعزيز استقلاليتها المالية، أكد الوزير أن نجاح ورش الجهوية المتقدمة لا يمكن أن يتحقق فقط من خلال توسيع اختصاصات الجهة أو تطوير آليات الحكامة والتدبير، بل يظل رهينا كذلك بمدى توفر الجهات على الموارد المالية الكافية والقادرة على مواكبة حجم الاختصاصات والمهام التنموية الموكولة إليها.
وقال لفتيت إن التجربة العملية خلال السنوات الماضية أبانت أن محدودية الموارد المالية كانت، في عدد من الحالات، من بين أبرز الإكراهات التي أثرت على القدرة التنفيذية للجهات وعلى مستوى إنجاز المشاريع التنموية وبرمجة استثمارات مهيكلة، خاصة في ظل اتساع الحاجات الاجتماعية والاقتصادية وتزايد متطلبات التنمية الترابية.
ومن هذا المنطلق، جاء المشروع، حسب الوزير، ليكرس توجها واضحا نحو تقوية القدرات المالية للجهات، عبر الرفع من حجم التحويلات المالية المرصودة لفائدتها بما لا يقل عن 12 مليار درهم سنويا ابتداء من السنة المالية 2027، وذلك بهدف تمكين الجهات من توفير التمويلات الضرورية لإنجاز مشاريع مهيكلة، وتعزيز قدراتها الاستثمارية، وتحسين قدرتها على مواكبة الأوراش التنموية الكبرى على المستوى الترابي.