في غضون ساعات قليلة، انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي جداول ومنشورات تؤكد أن فرقا برلمانية بمجلس المستشارين "صوتت ضد تشكيل لجنة لتقصي الحقائق" في ملف الدعم العمومي الموجه لاستيراد الأغنام، المعروف شعبيا بملف "الفراقشية". وسرعان ما تحولت تلك المنشورات إلى مادة للتجاذب السياسي، واستُعملت لتوجيه اتهامات مباشرة إلى أحزاب وقيادات سياسية بعينها، في سياق انتخابي مبكر يسبق استحقاقات شتنبر المقبل.
لكن المشكلة أن الواقعة التي بنيت عليها الحملة برمتها لم تحدث أصلا.
فالوثائق والمقتضيات القانونية المنظمة لعمل مجلس المستشارين، إضافة إلى توضيحات صدرت عن معنيين بالأمر من الأغلبية والمعارضة على السواء، تكشف أن الحديث عن "تصويت" جرى داخل المجلس لرفض لجنة لتقصي الحقائق لا يستند إلى أي أساس إجرائي أو قانوني.
بداية القصة
انطلقت الرواية من منشورات واسعة التداول زعمت أن فرقا ومجموعات برلمانية بمجلس المستشارين رفضت تشكيل لجنة لتقصي الحقائق حول الأموال العمومية التي خصصتها الحكومة لدعم استيراد الأغنام.
وأرفقت هذه المنشورات بجداول وأسماء أحزاب وشخصيات سياسية قيل إنها صوتت ضد المبادرة، ما أعطى الانطباع بأن المجلس عرف بالفعل مسطرة رسمية انتهت بإسقاط اللجنة.
وبفعل حساسية الملف والجدل الذي أثاره الدعم العمومي للأغنام خلال الأشهر الماضية، وجدت هذه الرواية أرضية خصبة للانتشار، خاصة وسط جمهور يعتبر أن الملف يستحق تحقيقا برلمانيا معمقا.
ما الذي يقوله القانون؟
غير أن أول ثغرة في هذه الرواية تظهر بمجرد العودة إلى النصوص المؤطرة للجان تقصي الحقائق.
فبحسب الفصل 67 من الدستور والقانون التنظيمي رقم 085.13 المتعلق بطريقة تسيير اللجان النيابية لتقصي الحقائق، لا يتم إحداث هذه اللجان عبر تصويت الفرق أو المجموعات البرلمانية قبولا أو رفضا، كما جرى الترويج لذلك.
المسطرة تقوم أساسا على تقديم طلب مستوف للشروط القانونية، مدعوما بعدد محدد من التوقيعات البرلمانية، قبل أن يخضع للفحص وفق الإجراءات المنصوص عليها في النظام الداخلي للمجلس.
بمعنى آخر، لا توجد في الأصل مرحلة اسمها "تصويت الفرق البرلمانية على قبول أو رفض تشكيل اللجنة"، وهي النقطة التي استند إليها معظم مروجي الرواية الرائجة.

بيان.. وتبيين
أمام اتساع دائرة المنشورات، خرج الفريق الاشتراكي – المعارضة الاتحادية بمجلس المستشارين ببيان مطول نفى فيه بشكل قاطع ما يتم تداوله.
وأكد الفريق أن "الادعاءات لا أساس لها من الصحة"، موضحا أن إحداث لجنة لتقصي الحقائق لم يكن أصلا موضوع تصويت داخل المجلس.
وذهب البيان أبعد من ذلك، معتبرا أن بعض الصفحات والمنشورات اعتمدت أسماء ومستشارين لم يعودوا أعضاء بالمجلس منذ سنوات، ما يكشف – بحسب الفريق – أن المعطيات المستعملة قديمة ولا علاقة لها بالتركيبة الحالية للمؤسسة التشريعية.
وأضاف الفريق أن أي مبادرة لتشكيل لجنة من هذا النوع لم تُطرح أصلا داخل مجلس المستشارين إلى حدود تاريخ صدور البيان، وأن الفريق الاشتراكي والمعارضة عموما لا يتوفران حتى على النصاب القانوني اللازم لإطلاق المبادرة بشكل منفرد.
من جانبه، محمد أوزين، الأمين العام للحركة الشعبية، تساءل علنا: "من قدم مبادرة تشكيل لجنة تقصي الحقائق بمجلس المستشارين في الأصل لتكون موضوع موافقة أو رفض؟".
وأضاف أن ما جرى تداوله "لا أساس له من الصحة"، مؤكدا أن مجلس المستشارين لم يعرف أصلا أي مبادرة بهذا الخصوص.
وفي الاتجاه نفسه، تحدث عدد من المستشارين البرلمانيين المعارضين عن غياب أي طلب رسمي معروض داخل المجلس، من بينهم أعضاء في نقابات ومكونات معارضة أكدوا أن الواقعة المتداولة لم تقع.
كيف تنتشر رواية بلا أصل؟
ما يكشفه هذا الملف هو آلية باتت مألوفة في الفضاء الرقمي والسياسي المغربي.
ففي البداية تُنشر معلومة تبدو منطقية ومنسجمة مع مزاج عام غاضب من قضية معينة. ثم تُرفق بجداول وأسماء وأرقام تمنحها مظهرا من الجدية. وبعد ذلك يعاد تداولها آلاف المرات قبل أن يبدأ التحقق من أصلها.
وفي هذه الحالة تحديدا، انتقلت الرواية بسرعة من مستوى التساؤل إلى مستوى "الحقيقة المؤكدة"، رغم غياب أي وثيقة رسمية تثبت وجود طلب لتشكيل لجنة تقصي حقائق داخل مجلس المستشارين، فضلا عن غياب أي محضر أو جلسة أو عملية تصويت يمكن الاستناد إليها.
ما وراء الضجة؟
يصعب فصل هذه الحملة عن السياق السياسي الذي تعيشه البلاد قبل أشهر قليلة من الانتخابات التشريعية.
فملف دعم استيراد الأغنام تحول خلال الأشهر الأخيرة إلى أحد أكثر الملفات استغلالا في السجال العمومي، وأصبح مادة جاهزة لاستهداف الخصوم السياسيين أو إحراجهم أمام الرأي العام.
ولهذا يرى عدد من الفاعلين السياسيين أن ما حدث لا يتعلق فقط بخبر غير دقيق، بل بمحاولة لصناعة واقعة سياسية كاملة انطلاقا من حدث لم يقع أصلا.
وبينما يستمر الجدل حول الدعم العمومي للأغنام وآثاره ونتائجه، تبدو الخلاصة الوحيدة المؤكدة حتى الآن أن مجلس المستشارين لم يصوت على رفض لجنة لتقصي الحقائق، لأن هذه اللجنة لم تُطرح أصلا داخل المجلس.