معادلة السيادة والتنمية.. مرتكزات مبادرة الحكم الذاتي بالصحراء المغربية

محمد فرنان

تتصدر مبادرة الحكم الذاتي المغربية اليوم واجهة الاهتمام الدولي، مع تصويت مرتقب وحاسم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في نيويورك، اليوم الجمعة 31 أكتوبر 2025.

هذه اللحظة لا تمثل مجرد إجراء شكلي، بل تعكس اعترافا متزايدا بالمقومات الاستراتيجية للمقترح المغربي الذي قدم عام 2007، والذي يقترح منح الصحراء حكما ذاتيا موسعا تحت السيادة المغربية لإنهاء نزاع استمر نحو خمسة عقود.

الواقعية 

تطرح مبادرة الحكم الذاتي إطارا تفاوضيا يمنح سكان الأقاليم الجنوبية حكما ذاتيا موسعا، يشمل مؤسسات تشريعية وتنفيذية وقضائية محلية، مع ضمان احترام حقوق الإنسان.

وقدمت هذه المبادرة إلى الأمم المتحدة كحل سياسي واقعي وقابل للتنفيذ، بما يتماشى مع قرارات مجلس الأمن التي تدعو إلى حل سياسي عملي ودائم قائم على التوافق.

تكمن قوة هذا الحل في قدرته على كسر الجمود الحالي، من خلال الجمع بين الاعتراف بالخصوصيات المحلية والحفاظ على وحدة الدولة وسيادتها.

معالم المؤسسات المحلية

تحدد المبادرة معالم مؤسسية واضحة تشمل، برلمانا جهويا منتخبا لإدارة الشؤون المحلية مثل التنمية، التعليم، الثقافة، والتخطيط، إلى جانب حكومة جهوية مسؤولة أمام البرلمان وجهاز قضائي جهوي ضمن الوحدة القضائية الوطنية.

في حين تحتفظ الدولة المركزية بالمهام السيادية مثل الدفاع، العلاقات الخارجية والعملات، فإن الجهة المحلية تدير قطاعات واسعة تشمل الاقتصاد، الضرائب الجهوية، الثقافة، التهيئة العمرانية والخدمات.

البعد الحقوقي والتنموي والهوياتي

الحكم الذاتي لا يقتصر على الجانب السياسي والإداري، بل يرتبط بمسارات تنموية وحقوقية شاملة، بما في ذلك مشاريع البنية التحتية وبرامج الاستثمار لضمان سلام إيجابي ومستدام.

ويعطي المبادرة أهمية كبيرة للحفاظ على الهوية الثقافية للصحراء، بما في ذلك المكون الحساني والتراث المحلي واللغة والتقاليد، ويضمن إدماجها في السياسات العامة الجهوية.

وتشمل آليات الحماية الرقابة القضائية والدستورية، واحترام المعايير الدولية لحقوق الإنسان، مع مراقبة من المؤسسات الوطنية.

مقارنة بالحلول الأخرى

يتمتع هذا المقترح بمرجعية أممية واضحة، ويبرز بكونه حلا عمليا ومرنا مقارنة بالبدائل الأخرى. فمقترح الاستفتاء التقليدي واجه صعوبات لوجستية وقانونية معقدة، في حين أن الإدارة المؤقتة أو الوضع القائم يكرس الجمود ويؤجل التنمية.

الحكم الذاتي الموسع يجمع بين حفظ السيادة ومنح القرار المحلي للتنمية والهوية، دون تغيير طبيعة السيادة الوطنية.

التمويل والتحديات

تدار الموارد في إطار الحكم الذاتي بنظام تمويل مزدوج يجمع بين الضرائب والرسوم الجهوية وتحويلات من ميزانية الدولة، مع خطط تنموية تخضع للمراقبة والمحاسبة.

ومع ذلك، تبقى التحديات قائمة، بما في ذلك ترجمة النصوص إلى مؤسسات فعالة، وضمان جودة التشريع وبناء القدرات، وتحقيق المصالحة المجتمعية عبر إشراك السكان، وربط الحكم الذاتي بمشاريع ملموسة مثل فرص الشغل والبنية التحتية، إلى جانب دعم مسارات التعاون الإقليمي لتعزيز الاستقرار والتنمية.

في المجمل، تمثل مبادرة الحكم الذاتي المغربية مقاربة براغماتية توازن بين وحدة السيادة والاعتراف بالتعدد المحلي، وتربط الحل السياسي بهياكل مؤسسية تمثيلية ومستدامة.