معركة وادي المخازن الثانية

هادي معزوز

وحده الله يعلم حال أسرة كُتب عليها أن تغادر المدينة التي تسكنها نحو مقصد مجهول، قد يكون خيمة مأهولة بالحد الأدنى من شروط العيش، وقد يكون بيت فرد من العائلة، أو شقة مدفوعة الإيجار إلى أجل غير مسمى، أو اقتراحا من مواطن لا تربطه أية صلة بالأسرة المنكوبة، وهذا معدن أصيل اعتبر دوما من عندياتنا على مر التاريخ. هذا التاريخ الذي يُذكرّنا فنأبى التذكر، ونأبى أخذ العبرة مما وقع سلفا، فحين لا يسعك أمر تدبُّره فمن الأفضل أن ترضى بما وصلت إليه، وهذا هو حال مدينة القصر الكبير.

لنعد إلى القرن السادس عشر، وتحديدا يوم الرابع من غشت عام 1578 ماذا وقع حينها؟

اعتبرت معركة وادي المخازن ـ الأولى ـ ظاهرة تاريخية بامتياز، حيث قضى على إثرها ثلاثة ملوك دفعة واحدة، بيد أن ما ميزّها وجعلها درسا في التكتيك الحربي، هو كونها استُثمرت جغرافيا كي تؤثر بعدئذ سياسيا، فكيف ذلك؟

إذا بحثنا عن بطل المعركة وفارسها المغوار، فسنقول الماء! لقد شكل لاعبا خفيا في القتال، بل إنه أبلى البلاء الحسن الذي بواسطته انهارت الآلة العسكرية البرتغالية المخيفة. دارت المعركة كما نعلم في سهل فيضي بين وادي المخازن واللوكوس، ضمن مجال طبيعي اعتاد الامتلاء بالمياه المطرية، مما جعل أرضه رخوة تخفي بجوفها مجاري مائية موسمية. وحين اندحار الجيش البرتغالي وجد في الانسحاب وسيلته المثلى لتجديد صفوفه الثقيلة، فوجد نفسه محاصرا بالمياه من المؤخرة، ومقطوع المسالك من المقدمة بسبب فيضانات الوادي، مما جعل الخسائر تتضاعف بالماء والجغرافيا وليس بالسيف، خاصة وأن الجيش المغربي كان أدرى بسلوك الأرض وطبائعها المحلية.. فصارت حينئذ معركة يتداولها الركبان، المؤرخون منهم والرواة. وتحولت بعدئذ إلى بطولة يتغنى بها المغاربة..

لقد تولّد بين تضاعيف الذاكرة الهيدرولوجية للمغاربة درس مهم، وهو أن أرض المنطقة تغدر عند المطر، وعلى تماس دائم مع الفيضانات وفق معادلة جغرافية: نفس المكان = نفس السلوك. وهكذا فإن الجغرافيا التي أغرقت جيشا مرعبا في ذلك الإبّان، هي نفسها التي أغرقت مدينة عن بكرة أبيها في هذا الإبّان، لهذا فالربط بين فيضان وادي المخازن والمعركة، ليس زخرفا سرديا، بل علاقة مكانية زمانية تعيد التذكير في زمن يأبى التذكّر.

لنعد إلى يومنا هذا من أيام دنيا الناس، ما الذي يقع؟

أسهم سد وادي المخازن في إغراق مدينة القصر الكبير المنسية من الزمن والذاكرة، بسبب عوامل طبيعية وبشرية تضافرت مع بعضها البعض كي تخلق الحدث. والحال أن التقاء الوادي مع الحوض، يجعل المدينة في نقطة تجمع مائي، إذ كل ما يحمله الوادي من سيول يصب مباشرة في اللوكوس فيرتع منسوب المياه بسرعة. وكما نعلم، فإن انبساط المنطقة النسبي وضعف انحدارها، يحد من تصريف المياه فتفيض جانبيا بدل أن تصب في البحر. هذا مع التذكير أن سلوك الوادي الذي يبدو لطيفا حين ندرة المياه، يتحول إلى وحش كاسح لا يبقي ولا يذر، عند استقبال كمية كبيرة من الماء، وهذا هو مفتاح الخطر الذي تكرر دوما بقوة الطبيعة، إلا أن القائمين بشأن تدبير المدينة لم يتعظوا، وقد لا يتعظون إذا بقيت نفس الوجوه تتعاقب على تسييرها، بخطابها الذي ينقصه التهذيب، ورعونتها وغرابة أطوارها..فكيف سنفسر مثلا التوسع العمراني بمحاذاة الضفاف، واستغلال الأراضي الفيضية للزراعة والعمران؟ مع ما يرافقه من ضعف قنوات التصريف التقليدية... وعليه فإن وادي المخازن ترافقه دوما عبارة مأثورة: المكان الذي يفيض!

وبما أن الوديان ارتبطت دوما في المتخيل الشفهي للشعوب باللعنة والقوة الجبارة، فإن اللعنة التي ضربت سكان المدينة المنكوبة إبان معركة وادي المخازن ـ الثانية ـ تُبيّن أن التاريخ توقف فيها منذ العام 1578 فمن لا يأخذ العبرة مما فات، ولا يفهم الدرس من الذي مضى، معناه أنه جامد أو ربما يفهم ويدّعي أنه لا يفهم. بل أكاد أقول إن أجدادنا كانوا متقدمين علينا، حينما جعلوا من الجغرافيا عاملا مؤثرا في الحرب. بينما غابت عن أحفادهم الحذاقة وروح المسؤولية، وها نحن نعيش اليوم نتائجها الوخيمة، بين برلماني لا يزن ما يقول، ومسؤولين مدنيين شبه غائبين، وسكان رُحل قرر أصحاب شقق المدن المجاورة الرفع من سومة الكراء! وآخرين تطوعوا لإيواء بعض الأسر بدافع المساعدة غير المشروطة.

يا له من تناقض يعكس سلوكا منفصما.