مقترح إلى وزارة الأسرة والتضامن

هادي معزوز

خلال مناقشة مشاريع طلبة الصف التي نقيمها قبيل نهاية السنة الدراسية، أثارني مشروع كامل متكامل أنجزه فريق عمل، أبدى حماسا منقطع النظير من جهة، وسخاء في الأفكار المقترحة من جهة أخرى. كنت ألقبهم بالفلاسفة الشباب نظرا لانكبابهم الكبير على قراءة أمهات الكتب الفلسفية بشكل رصين، بدءا من ديكارت وصولا إلى شوبنهاور ونيتشه... الأمر الذي منحهم قدرة كبيرة على تنظيم الأفكار والإبداع فيها. على تشخيص مكمن الخلل والإيمان بأنه ثمة حل لكل مشكل إذا ما اعتمدنا تفكيرا منهجيا، يشخص الموضوع المحدد/ يضعه داخل إطاره الإشكالي/ ثم يقدم بعد ذلك تصوراته الخاصة من أجل تجاوز مشاكله.

كانا يقفان أمامنا بكل ثقة في النفس، ولن أخفي أني كنت واثقا من دقة وقوة دفاعهما عن مشروعهما، والحال أنهما لم يخيبا ظني، سواء على مستوى الشكل أو الموضوع. أو على مستوى عرض الأفكار وطريقة إيصالها إلى لجنة المناقشة.

باختصار شديد، اختارا ظاهرة التسول موضوعا لمشروعهما، وكما كنا قد أطرنا الجميع سابقا، فقد شددنا على جانب الإبداع والقدرة على تقديم الحلول نحو الموضوع المقترح، أي أن الهدف من المشروع لم يكن يتغيى تقديم معلومات فقط وما أكثرها، بل إن قوة المشروع رهينة بقوة أفكاره المتجددة، وهكذا فإن فريق العمل لم يشتغل على ظاهرة التسول كموضوع إنشائي بيداغوجي، وإنما كمشروع تم عرضه داخل قاعة المناقشة بمجموعة مدارس روماندي الدولية، مشروع متكامل بالإحصائيات الرسمية التي توثق لعدد المتسولين، إلا أن ما أثارني أكثر، إشارتهما إلى أن لغة الأرقام الرسمية قد تكون في الغالب الأعم متنافية بشكل أو بآخر مع ما يقدمه الواقع من حقائق قد تغيب سهوا أو عمدا وتلك الإحصائيات التي تقدمها الجهات الرسمية.

ما الجديد في المشروع؟

أولا: أكدا أن نسبة التسول عرفت في الآونة الأخيرة ارتفاعا كبيرا، وهو أمر يتفق حوله الجميع، سواء الخطاب الرسمي أو غير الرسمي الذي تقدمه الجمعيات والمنظمات والدراسات التي يقوم بها الطلبة خاصة المنتمين إلى دائرة العلوم الإنسانية.

ثانيا: الوقوف عند الأسباب الكبرى التي ساهمت في هذا الأمر، والتي يبقى من بينها الفقر، وارتفاع نسبة التضخم والإدمان والأمية والبطالة والربح السريع.

ثالثا: التأكيد على الدور الذي قامت بها الدولة عبر تخصيص إمكانيات ضخمة للحد من هذا المشكل، بيد أن مجهوداتها ذهبت هباء منثورا، والدليل أن الشخص منا يكفيه الوقوف في الشارع عبر إشارة الضوء الأحمر، حتى يتدفق حوله العديد من المتسولين ومن جنسيات مختلفة، لكل واحد منهم قصته التي يؤلفها بطريقته الخاصة، فمنهم الذي فر من جحيم الحروب، ومنهم من هرب من الفقر والبؤس الذي يعيشه، منهم صاحب العاهة المستديمة ومنهم ماسح الزجاج وبائع المناديل الورقية وهلم جرا... هي صور لن يختلف حول بشاعتها أي فرد، سواء تبنى خطاب الجهات الرسمية أو رفضها وشكك في ارقامها، لكن الكل متفق أن ظاهرة التسول استفحلت كثيرا، بل أصبحت مهنة منظمة تخضع لإجراءات خاصة، ووحده الله يعلم كيف تُدبر في الخفاء، ومن يقف على تنظيمها وتدبير توقيتها وتوزيع الأدوار على القائمين بشأنها.

رابعا: ذكر ريان وغالي أن صورة المغرب ستتضرر كثيرا خلال نهائيات كأس العالم 2030 ليس من طرف الذين ينتظرون هفوة صغيرة كي يضخموها عبر آلات إعلامية تم إنشاؤها لهذا الغرض، بل قد يكون موضوعا مثيرا لكل شخص قادم من بلدان حسمت مع هذا الأمر منذ عهد سالف، بناء على تماسك التنظيم الاجتماعي، الذي يعتبر الجزء الأكبر من رهان الدولة ونجاحاتها، وإلا فلتُعد ترتيب أوراقها إذا كانت حقا تسعى إلى منافسة الدول الكبرى، وبما أن اقتصادنا قائم بشكل كبير على السياحة، فإن ظاهرة التسول ستشكل عائقا أمام صورة السياحة التي نُقدمها للعالم.

خامسا: إليكم المشروع باختصار، مشروع يقوم على تطوير معالجة ظاهرة التسول عبر استعمال أحدث الإمكانيات ومن أبرزها الذكاء الاصطناعي لتخفيض معدل الخطأ، من خلال خلق أنظمة متطورة قادرة على رصد المحتالين ومعاقبتهم باسم القانون سواء بتهمة النصب والاحتيال، أو بما يقترن معها من صور تخدش صورة الدولة وتقدمها على طبق من ذهب إلى المتربصين بهذه الظواهر التي توجب الحسم معها جملة وتفصيلا. سيقترح أصحاب المشروع فكرة عملية تنطلق من إحصائيات موضوعية، فحسب تقارير المندوبية السامية للتخطيط، يتواجد في المغرب ما يفوق 200 ألف متشرد متسول في تقارير غير قانونية والملايين منسى عنهم. 89% من المتشردين والمتسولين يعيشون في الشوارع، 86.7% منهم رجال، 13.3% نساء، 77.5% منهم يتراوح سنهم من 20 سنة إلى 59 سنة. 91.6% مغاربة و8.4% أجانب.

وحسب تقارير وزارة الداخلية ومصادر أخرى، تصل ميزانية وزارة الداخلية 48.9 مليون درهم و27 مليون درهم كميزانية إضافية لحد من هذه الظاهرة دون النجاح في ذلك.

ما الحل؟

يقترح فريق العمل الاشتغال ببطاقة الكرامة الوطنية CNDوتنقسم إلى أربع بطاقات.

أولا، البطاقة الزرقاء (CNDP) : تتيح هذه البطاقة السكن، الوجبات الغذائية، الرعاية الصحية الأولية، بالإضافة إلى مرافقة إدارية يمكن أن تدوم إلى 12 شهر.

ثانيا، البطاقة الخضراء(CNDV): تتيح جميع مميزات البطاقة الزرقاء بالإضافة إلى تتبع أكاديمي للأطفال زائد 12 شهر من المراقبة الأبوية.

ثالثا، البطاقة الحمراء (CNDR) : بطاقة خاصة بالحالات الطارئة.

رابعا، البطاقة البرتقالية (CNDO): تتيح المساعدة في الاندماج في سوق الشغل مع مساعدة مادية صغيرة.

سيمر هذا المشروع من أربع مراحل: أولها الإنشاء وإنهاء المراحل القانونية. ثانيا، تغطية المدن الكبرى مثل مراكش والدار البيضاء. ثالثا، تغطية 12 جهة بالمغرب إضافة إلى تقرير وسيط للبرلمان. وأخيرا، تغطية شاملة في جميع أنحاء المغرب.

تشمل الميزانية أوليا، حوالي 250 مليون درهم تتفرق حسب مراحل متتابعة، ففي المرحلة الأولى مثلا، ستصل الميزانية المنفقة إلى حوالي 9 ملايين درهم مع استفادة 50 ألفا إلى 200 ألف متشرد ومتسول من هذه البطاقات. تدخل صناعة البطاقات إلى الميزانية، شريطة أن يكون نظام الحماية مدعما بالذكاء الاصطناعي، إضافة إلى وضع برنامج نظام ضد المحتالين مما يجعلهما غير متواجدين ضمن قائمة الميزانية. لكن مع الإشارة إلى أن هذا الدعم، يجب أن ترافقه متابعة من طرف الجهات المختصة من أجل تأهيل أصحاب البطاقات إلى سوق الشغل، سواء عبر تكوينات او تدريبات.

هو ذا المشروع كما تم وضعه، وقد ارتأيت إدراجه بكل أمانة ضمن كرونيك هذا اليوم، إيمانا بقدرة الطاقات الشابة على الإبداع، وتشجيعها على تقديم مقترحات عملية، خاصة تلك التي تصب في الصالح العام.