أقسم أن الكاتب لا يحلم

هادي معزوز

... كان يبدو نشازا داخل جوف الحافلة الذي يحوي كل أنواع وأجناس البشر المنسيين من الخريطة والوجود والبرامج السياسية، وكانت عيونهم تتقطر شررا، تتحين الفرصة لاختلاق شجار من لا شيء، خاصة وأن العراك المُفتعل لا يصيب فردين فقط، بل ينتشر إلى الجميع، إنه بمثابة الفرصة الكبيرة للنشالين كي يستغلوا مرحلة سهو خاطفة، للحصول على شيء ما، والذي يبدو أن قيمته لن تكون ثمينة بقوة الواقع، لكنه قمين بمنح النشال عائدا ماليا يساعده على تدبير قهوة وحشيش وسيجارة يومه وهذا هو الأهم بالنسبة إليه، أما الاقتصاد والسياسة والخدمات الاجتماعية والعلاقات الدولية فإنها آخر شيء سيفكر فيه.

... كانت الحافلة تسير ببطء، تميل ذات اليمين وذات الشمال حتى تكاد تنقلب على إحدى جانبيها، الواقفون يستغلون هذا العامل كي يحتكوا بأرداف النساء، أو يضعوا أصابعهم المدربة بخفة داخل الجيوب، النساء تعلمن ذلك فيضعن أشيائهن بين حاملات الصدور، أما الرجال الذين يدّعون النباهة واليقظة، فإنهم غالبا ما يسقطون في فخ تلك الأصابع الرشيقة التي قضت أياما طويلة في التدرب على النشل، وفي هذا تنتصر النساء على الرجال، أو بالأحرى تنتصر حاملات الصدور على جيوب الجينز. كلما مالت الحافلة إلا وصرخ أحد الواقفين في وجه السائق يسبه بأقدح النعوت ويسب معه الحكومة والأمن والمسؤول الجماعي! فيجيبه هذا الأخير بكلام فاحش أقبح منه، مما يشكل الفرصة المنتظرة للنشال كي يصرخ في وجه الجميع: ألا ترون أن النساء معنا يا أبناء العاهرة، كفوا عن السب تحت الحزام، ومن كان قويا فليواجه مباشرة بدل الشتم الذي تركناه للنساء. الشرف لدى هؤلاء هو عندما تنعت رجلا بصفات النساء، هي حيلة يستغلها النشال كي يستفز الحاضرين، والتي غالبا ما تعطي أكلها، فيحدث أن ينزل في المحطة الموالية هانئا بما غنم ولو كان دراهم معدودات.

... وحده كان النشاز بينهم، كيف يعقل لشخص منهم وإليهم أن يقرأ رواية عظيمة لكاتب عظيم وبالفرنسية؟ كان لغزا محيرا للنساء والنشالين والمجرمين وماسحي الأحذية، كان يعطي الانطباع بالذكاء والنبوغ والشر، وهي صفات قلما تجتمع في سكان تلك المنطقة المنسية، حتى تقاسيمه كانت تمزج بغرابة بين الوسامة والحدة، وهي مياسم اكتسبها من زواج مختلط هجين بين أم كانت تنتمي إلى عائلة ذات حسب ونسب شريف، وأب كان يمتهن الحرف القذرة، لكن شاءت الظروف أن يلتقيا، فسقطت الأم في حبال الأب ثم قطعت الصلة مع عائلتها لصالح من أحبت، والنتيجة أنها أنجبت ولدا وحيدا أعقبه اختفاء الوالد دون أن يترك أي أثر إلى يوم الناس هذا.

وبين الكلمات البذيئة والحركات الفاحشة الماجنة سيصل الفتى إلى المحطة، سينزل بكل ثقل كي يعطي الانطباع بالقوة والبطش، العيون تترصده مثلما تترصد كل نازل او صاعد إلى جوف الحافلة المهترئة. لازال الصباح يتثاءب بين الحنين إلى الفراش ومتطلبات النهوض كي يترك المشعل للنهار، ثم سار ببطء نحو مقصده، عيونه الحادة وصمته المريب يلفت الأنظار إليه، كان يمشي وعقله يشتغل بوثيرة كبيرة ومتسارعة تسابق خوارزميات التفكير المعتمدة من لدن مراكز البحث، كان يدرب ذهنه على تمرين غريب: التفكير في شيئين وموضوعين مختلفين في نفس الآن، هل هو تأثير دوستويفسكي عليه، أو البحث عن التفوق في زمن الاندحار؟ ثم استمر على هذه الحالة وعيونه ترسم حدودا لمجاله حذرا من قاطع طريق محتمل، فإذا حدث وأن دخل شخص إلى مجاله الذي يتحرك بتحركه يستعد لإخراج السكين ويتحول من عاشق للأدب إلى مجرم قادم من أعتى الأحياء وأقبحها منزلة، إذ يكفي ذكر اسم الحي وبعض أسماء فتواته ومُجرميه حتى ترتعد فرائص القوم.

أكمل سيره المحسوب الحذر إلى أن وصل إلى حي أنيق يتكون من فيلات فخمة، تحيط بها حدائق غناء طيبة روائحها تمزج بين الورد والنرجس والياسمين والريحان والليلك... كان الصباح فيها يبشر دوما بيوم هادئ جديد يعطي الانطباع بالبدايات المنعشة الخالية من أي شيء يعكر صفو النفس. وكان يرى في هذا التناقض صورة حية لتناقضه أيضا، إذ بين الانتقال من مكان لا يعرف سوى القذارة وبذيء الكلام وفاحشه، إلى مكان منظم أنيق، رحلة طويلة على مستوى المكان والوجدان، وكان من طبيعته، قدرته على تغيير طريقة تصرفه من فتى منحدر من حي الأشرار، إلى مُدرس فرنسية خاص لإحدى الفتيات المدللات.. ألقى نظرة على ساعته فوجد نفسه قبل الموعد بكثير: الثامنة تعني الثامنة لدى والد الفتاة المدللة التي درست في مدارس البعثة الأجنبية، تتقن الحديث بالفرنسية لكنها ناقصة جدا في الأدب الفرنسي، فكانت مهمته تتجلى في تجويد تمكنها من هذا الأمر، كانوا يعاملونه باستعلاء من البستاني إلى الخادمة إلى والدها، وكان بدوره يبادلهم بنفس الاستعلاء، لأن التودد للأغنياء ومن يخدمونهم يعني فقدان الكرامة.

اقتعد كرسيا بإحدى المقاهي المجاورة، ثمن فنجان قهوة فيها، يكفيه لفناجين شهر برمته بحي الأشرار، مع قدرة على طلب تغيير القهوة في حال تهييئها بشكل سيء، أخرج رواية صديقه الروسي ثم انغمس فيها، وبين الفينة والأخرى يسترق النظر إلى ساعة المقهى كي يصل في الموعد المحدد، لا قبله ولا بعده، ولما حان وقت المغادرة وضع يده في جيبه فتجمدت فرائصه حينما لم يعثر على محفظة نقوده، بقي هادئا يفكر في آخر مرة اطمأن على أن ممتلكاته لم تصلها أصابع نشال، بحث في كل الجيوب بما فيها جيوب المحفظة، ثم سيتوقف تفكيره لأن الفتاة التي كانت تجلس بجانبه هي من تمكنت من ذلك على الأرجح، خاصة وأنه وضع المحفظة في الجهة التي كانت بجانبها. شعر بخيبة ممزوجة بالغضب والإهانة، في ماذا أفاده دوستويفسكي ونيتشه وسيوران بفلسفاتهم القريبة من نمط عيشه؟ كيف سيؤدي ثمن القهوة؟

ألقى ببصره الحذر إلى الصالة، فوجد النادل منشغلا مع أحد الزبائن، تظاهر بأنه يتكلم مع أحدهم في الهاتف، كان يتمشى أمام باب المقهى جيئة وذهابا، ولما وجد الفرصة سانحة للانفلات من المشهد، أطلق رجليه للريح قاصدا مكانا ما، مر أمام فيلا الفتاة المدللة فالتقت عينه بعيني والدها حينما كان يهم بالخروج إلى العمل.. سقطت من جيبه ورقة بفرط الارتباك.. ثم أكمل الجري إلى أن ابتلعه الزقاق المجاور، حمل والد الفتاة المدللة تلك الورقة، فتحها وعلامات الدهشة بادية عليه رغم برودة مشاعر الأغنياء، وجدها عبارة عن نص أدبي مستهله جملة تقول: "... كان يبدو نشازا داخل جوف الحافلة الذي يحوي كل أنواع وأجناس البشر المنسيين من الخريطة والوجود والبرامج السياسية، وكانت عيونهم تتقطر شررا، تتحين الفرصة لاختلاق شجار من لا شيء..."

قرر أن يمشي مع دوستويفسكي إلى أبعد حد، أن يبتلع كل شخصيات أعماله الكبرى، قرر بدوره أن يصبح نشالا انتقاما لما وقع له.. قرر أن يتمرن على سرعة الأصابع التي تتطلب دُربة وصبرا كبيرين...

ـ تمت ـ