ملحوظة: قصة تجمع بين الحكيمين محمد زفزاف وأحمد بوزفور. عطفا عمّا سبق.
ملحوظة عابرة: كان الحوار مفتوحا في السابق بين الحكيمين والناقد. ثم أعطيت لي الكلمة من أجل صياغة شهادة في حق أستاذنا محمد زفزاف.
... الساعة تشير إلى الرابعة صباحا من أحد أيام شهر يناير البارد، أضواء خجولة تحاول إزاحة الظلام لكنها لم تتمكن منه، فاستسلمت ثم ركنت إلى حيث كانت، كعجوز تخونها قواها على الحركة والكلام، فتكتفي بالمشاهدة فقط. ضوضاء وجلبة تعم الشارع الطويل الذي يبتلع البصر دون أن ينتهي، ورغم أن الوقت مبكر إلا أنه يناسب المهام التي يجب أن تبدأ قبيل الصباح، كي تنتهي حينما يستيقظ الذين لا يشغلهم شاغل. ثم تستمر حركات الناس أو بالأحرى حركات من يُسَمّوْنَ في صالونات الأغنياء بحثالة المجتمع الذين لم يدرسوا جيدا، ولا يتقنون أي شيء سوى الإنجاب والتكاثر والعيش وسط القاذورات، فيحدث أن يستنسخوا حياتهم مرة أخرى، ويتوارثون طريقة عيشهم أبا عن جد.. ينفصلون عن أقسام الدراسة مبكرا، يحترفون النشل أو الوظائف التي تعتمد على القوة بدل العقل، كأنهم يرفضون الانتقال من الإنسان الصانع إلى الإنسان المفكر. يسكنون في بيوت واطئة ضيقة بدور الصفيح، ويتواطؤون رفقة "المقدم والقايد والباشا..." كي ينالوا نصيبهم من أرض منسية، فيقيمون فيها ويشترطون الحصول على شقق بضواحي المدن إن أُريد لهم ترك الأرض لأصحابها، وحينما يتحقق لهم ذلك يبحثون عن أرض أخرى، ثم يعيدون الكرّة، المرّة تلو الأخرى. يستهلكون أسوأ أنواع المخدرات من "حشيش" رخيص و"معجون" مركبة عناصره من مواد تكفي لإسقاط فرس جامح إلى الأرض، وأقراص مهلوسة مهربة إما عبر الصحراء الشرقية أو الجنوبية. أما الخمر فيشترونه سرا داخل أكياس من البلاستيك، وبطبيعة الحال فإن سهراتهم خاصة خلال ليالي الجمعة والسبت غالبا ما تنتهي بتصفية الحسابات بواسطة السكاكين والنبابيت والعصي... لا يجب على الضحية أن يذهب إلى الشرطة، بل يجب عليه أن يثأر لنفسه، أو يعلن هزيمته فيصبح الحائط القصير على حد تعبيرهم، وأضحوكة زمنه واللقمة السائغة للجميع.
وهاهم مرة أخرى يكرّرون حياتهم خلال الساعات الأولى من هذا الصباح المظلم، تجدهم عند ملتقى الطرق يسيرون بطريقة آلية، مزيج من العمال واللصوص والنشالين والحمالين المشتغلين بسوق الجملة، والجزارين وبائعي السمك وحفاري القبور، والذين لا يعرفون أين هم ذاهبون، وأصحاب السوابق سجناء الجناح 2 بالمركب السجني عكاشة، وعاملات النظافة وخادمات البيوت... وحدهن بائعات الهوى تراهن بين الفينة والأخرى وهن عائدات إلى أوكارهن بعد عمل مضن تعود جذوره إلى ألاف السنين.
هو ذا الفتى بينهم، يبدو نشازا إذا ما قورن بهم، كان يسير دون ملامح، يتأمل المكان والوجوه والفضاء لأول مرة في هذا التوقيت، والجميع حذر من الجميع، يرقصون رقصات الأفاعي التي تتلوى ليس بدافع الرقص والمتعة، وإنما من أجل الانقضاض على بعضها البعض، لعبة بقاء لا تؤمن بالفاضل أو المتدين أو المهذب، بل تؤمن بصاحب السوابق العدلية والجانحين، والذين يحملون ندوبا على أوجههم وأذرعهم وأرجلهم، أسنانهم متهالكة وبنيتهم كذلك، لكن عيونهم تفيض شرا وتنتظر أول فرصة لخلق أول مشكل.
هو ذا الفتى بينهم، يسير رفقتهم، منهم وليس منهم، يعرفهم ويعرف فتواتهم، لكنه يعرف أيضا أن المدينة لا يوجد بها مثل هؤلاء الصعاليك فقط، بل يقطنها أغنياء المغرب أيضا، داخل قصورهم وفيلاتهم الفخمة التي تتوفر فيها كل أساليب العيش الفاره، يكتفون بابنين على أبعد تقدير، يدرسون في البعثات الأجنبية، معتقدين أن المغرب برمته بلد لا يضم سوى الأثرياء مثلهم، يرتدون أفخر الملابس من أرقى الماركات العالمية، لا يتكلمون الدارجة ولا يعرفون سوى بعض من عباراتها المعدودة على رؤوس الأصابع، يقضون إجازاتهم بكبريات المدن العملية والمنتجعات السياحية الممنوعة على أغلب سكان الكوكب، محفوفون بالخدم والسائق والبستاني، والذين ينظرون إليهم دوما من أعلى، يحتقرونهم ويسبونهم على أبسط الأشياء كالنظر في وجهم مثلا، أو ترك ورقة شجرة تسقط، أو السير في الطريق ببطء، أو الوقوف عند الضوء الأحمر، لأنهم أقوى من رجال الشرطة والكوميسير ووالي الأمن، بل أقوى من القانون الذي وضعوه على مقاسهم بعد مشاورات وكواليس داخل فيلات الرباط والبيضاء، لكنه قانون لا يعنيهم، بل تم وضعه لردع من يستيقظون خلال الرابعة صباحا وإعادة تربيتهم لأنهم أقرب إلى الحيوانات منهم إلى الإنسان.
هو ذا الفتى بينهم، يسير مقتربا من محطات التاكسي والأوتوبيس، والذي ما إن يقف حتى تجتمع أمام بابه جحافل القوم الذين لا يعلم أحد من أين بُعثوا كأنهم أشرار يوم القيامة وكفارها. يتصايحون ويسبون بعضهم البعض بأقبح النعوت، يتدافعون فيما بينهم، لا يميزون بين الكبير والصغير والذكر والأنثى والحامل وذوي الاحتياجات الخاصة. طقس يؤمن أن القوي يتمكن من الصعود أولا واختيار مقعده، والضعيف قد يسقط أرضا أو يصعد كي يكتفي بالوقوف على مقربة من الباب. وكانت هذه فرصة مواتية للنشالين كي يضعوا أصابعهم داخل جيوب الآخرين، مثلما هي فرصة مناسبة للمكبوتين جنسيا كي يحتكوا بأرداف النساء.
هو ذا الفتى بينهم، يصارع معهم من أجل المقعد، الأغنياء أيضا يتصارعون فيما بينهم من أجل المقاعد البرلمانية خدمة لتجاراتهم وأعمالهم عبر سن قوانين توافق وتساير مساعيهم الاقتصادية، لكن شتان بين مقعد وثير للسلطة،ومقعد بلاستيكي متهالك، يتمايل بتمايل الحافلة المهترئة، والذي قد يسقط بصاحبه في أية لحظة، فيستغل الفرصة كي يسب الحكومة والوزراء والله!وبعد أن شارك الفتى مع الملاعين والأشرار والحثالات طقس سب الآباء وأصولهم،تمكن من الجلوس في مقعد بلاستيكي بارد، لكن الجلوس أفضل من الوقوف في أغلب الأمكنة والأزمنة والحالات... أخرج السكين من ذراعه ثم وضعه داخل محفظته، فمن لا سكين له لا حقوق له، إذ وحده السب لا يكفي حينما يتم الاحتكام إلى الصراع المباشر. وأمام عبوس الراكبين وبؤسهم أخرج الجزء الثاني من رواية Les Possédés للكاتب الروسي دوستويفسكي...
ـ يتبع ـ