الدولة والمغاربة منشغلان، منذ أيام، بتدبير فصل شتاء استثنائي، لم تشهده المملكة منذ 1996. كل المصالح تحركت وتتحرك إلى اليوم، بشعار: إنقاذ الأرواح أولاً...
على هامش هذه التعبئة الوطنية الشاملة، تتدحرج كرة ثلج، تكبر ساعة بعد أخرى، بشعار: استمرار استهداف المغرب ببروبغندا رخيصة المضمون وباهظة الثمن!
كيف؟
نهاية شهر يناير المنصرم، دخل "قانون شفافية ملفات إبستين" حيز التنفيذ، لتفرج بموجبه وزارة العدل الأمريكية عن كمية ضخمة من الوثائق، تشمل 3 ملايين مراسلة وصورة وفيديو.
منذ بزوغ خيوط ضوء أولى الوثائق التي وجدت طريقها للنشر والاستعمال، وأيضا الاستغلال بمواقع التواصل الاجتماعي، برزت معها ضرورة مطلقة لاعتماد مصدر واحد للمعلومة والتحليل.
هو: الصحافة الأمريكية دون غيرها؟
لماذا؟
لأنها، تمتلك أربعة عناصر أساسية لمعالجة ما تم نشره وفق قواعد صحافة الاستقصاء، دون غيرها، وهي:
1 الوصول القضائي المباشر للمعلومة وتعميق البحث بشأنها؛
2 طلبات "FOIA" (قانون حرية المعلومات الأمريكي)؛
3 مصادر داخلية متعددة؛
4 ضبط أدق للسياق الزمني المرتبط بملفات إبستين ما يسمح بفرز ما هو موثوق مما هو مجرد ادعاء غير مثبت.
بناء على ما سبق، يتضح أن معالجة وسائل الإعلام الأمريكية لكل ما نتج عن تفعيل "قانون شفافية ملفات إبستين، يحترم ثلاثة قواعد مهنية، هي:
1 ذكر الاسم في المراسلات لا يعني الاتهام؛
2 التمييز في أي معالجة لوثيقة واحدة بين التواصل الاجتماعي والتواصل الإجرامي؛
3 عدم نشر أي محتوى صحفي يستخدم لغة الاتهام دون تأكيدات قضائية.
إذن، نحن أمام امتحان مهني، يفرض حتى على هواة التعليق على الملفات، محاولة شرحها، فهمها، تقديم الرأي بشأنها، معالجتها... (يفرض) أن يتملكهم "الخجل المهني"، ليس الذاتي بل الموضوعي، قبل كتابة جملة واحدة، لا عشرات المقالات.
إذ لا يمكن، هكذا، الخوض في ملف لا تمتلك أنت أمامه ولو عنصرا واحدا من العناصر الأساسية لمعالجته، ولا تحضر عندك مقومات التمييز باعتماد واحدة من القواعد المهنية لحسم الخبر فيه فما بالك بالرأي.
ماذا عن "استمرار استهداف المغرب بالبروبغندا الرخيصة المضمون الباهظة الثمن!" في علاقة مع ما ذكر سلفا؟
الجواب، هو تسونامي المقالات والتدوينات والصور ومقاطع الفيديو التي تجتاح مواقع التواصل الاجتماعي، منذ ليلة أول أمس السبت، والتي يظهر أنها تنتج داخل قاعة تحرير موحدة.
محتويات تستهدف المغرب، يغذيها، بوعي أو بدونه، تفاعل مغاربة يتلقفون كل شيء وأي شيء، دون بذل مجهود للتحقق من صدقيته قبل مشاركته.
ويعطيها آخرون، من الذين يعتبرون أنفسهم "مغاربة النخبة"، عن سبق إصرار وترصد، "مشروعية زائفة"، تسمح بإعادة تدوير فضلات يتغوطها بإسهال مُفرط الذين يواصلون الاستثمار في محاولة ضرب أسس: الرمز والمقدس والمشترك، يؤطرهما التوازن الدائم بين وفرة الخبز وصلابة الجيش/الأمن، كما أشرت إلى ذلك في مقال سابق بعنوان "عدوة المغرب الأولى".
كل المواد الصحفية الأمريكية التي تناولت وثائق "قانون شفافية ملفات إبستين"، وأيضا بتتبع عدد من تدوينات الإعلاميين والصحفيين المعروف عنهم الاشتغال على الملف منذ سنوات، لم أجد واحدة أو واحدا منهم مثلا، ينشر وثيقة فوقها سؤال فقط، حول وجود اسم من الأسماء بإحدى المراسلات، مع إيحاء بأن هذا الاسم قد يكون "تواصله إجراميا".
وهنا، أميز بين المعالجة الصحفية وفق العناصر الأربعة والقواعد الثلاث التي ذكرنا سلفا، وبين حمى تدوينات وتفاعلات مؤثرين، غرضهم الأول والأخير من هذا الملف، كما هو حالهم دائما، غرف ما أمكن من غنائم التفاعل والمتابعات مهما كان المحتوى الذي يحقنون به جمهورهم.
هؤلاء، منهم الذين لهم وجود في الواقع ومن ثم استنساخ مئات الآلاف مثلهم بتزييف، أصبح من الضروري أكثر من أي وقت مضى، الانتباه لتغولهم، بل المواجهة المباشرة مع من يمد محركاتهم بوقود إنتاج مئات السرديات التي تستهدف المغاربة والمغرب.
إذا سلّمت عواطفك، دون اعتماد مادتك الرمادية، لما يروج الآن بمواقع التواصل الاجتماعي، سوف يخيل لك أن "قانون شفافية ملفات إبستين" دخل حيز التنفيذ، لـ"يفضح المغرب وعددا من مسؤوليه" لا غير.
والحقيقة أنه باعتماد أدوات البحث والتحقق، وفق ما تمت معالجته في وسائل الإعلام الأمريكية، وغيرها، لم يثبت إطلاقا ذكر المغرب أو إحدى شخصياته من رجال السياسة أو المال والأعمال وغيرهم، في سياق "التواصل الإجرامي" ضمن وثائق ملفات إبستين المفرج عنها.
كل ما يتم تداوله الآن، بعد تضخيمه وإخراجه بحرفية البروبغندا على أصولها "النازية"، يتأكد بعد بحث معمق، أنه قادم من منتديات "REDDIT". هناك، في "المجتمع الخاص بالرياضية" (R/sports)، و"المجتمع الخاص بالمغرب" (R/MOROCCO)، سوف تجد ملايين القصص التي صدقتها أنت يوما ما، مصدرها أسماء مجهولة، لكن كتاب سيناريوهات زيفها مصادر معروفة بالتأكيد.
الخلاصة، في ما يخص زملاء مهنتنا، لا مانع في تناول ملف إبستين ترك المهمة لمن هم أهل لتنفيذها وفق عناصرها الأساسية وقواعدها.
ولعموم المغاربة، لا تقدموا مجانا خدمة التفاعل والمشاركة في إعادة تدوير فضلات منتديات أشبه بمراحيض في العراء.
وللدولة، التجاهل ليس دائما هو الحل، والترفع عن خوض معارك لم تعد هامشية، قد يتحول لصدأ يصيب محور دوران عجلات التواصل عند الحاجة الملحة لاشتغالها.
أخيرا، مرة أخرى، يجد المغرب نفسه في حاجة لدخول مواجهة، لم يحضر جيدا خطوط الهجوم قبل الدفاع لخوضها.
ما بين قمة جبل "ملفات إبستين" وسفح من سوف يتضرر منها، تتدحرج كرات ثلج تكبر ساعة بعد أخرى. ما يهمنا الآن وحالا من بينها، تلك التي تحمل عنوان الوصول إلينا، وجب إذابتها قبل أن تقترب من مرحلة رسم تشقق آخر فوق سطح جليد وطن يجمعه الرمز والمقدس وصلابة التوازن بين توفير الخبز وقوة الجيش/الأمن.