بعيدا عن الإيقاعات التي تصدح في فضاءات الصويرة، يفتح مهرجان كناوة وموسيقى العالم نافذة أخرى لا تقل أهمية، حيث تتحول الثقافة إلى مدخل للتفكير في أسئلة العصر، وتصبح الموسيقى نقطة انطلاق لحوار أوسع حول الحرية، والهوية، والشباب، ومستقبل المجتمعات. فالمهرجان، الذي رسخ حضوره كموعد فني عالمي، يواصل في الآن ذاته تكريس بعده الفكري من خلال منتدى حقوق الإنسان، الذي يجمع مفكرين وصناع قرار وفنانين وباحثين حول قضايا تتجاوز حدود الفن لتلامس رهانات الإنسان المعاصر.
وفي هذا الإطار، احتضن المنتدى سلسلة من اللقاءات الفكرية التي استهلت بمحاضرة للفيلسوف سليمان بشير دياغني، قبل أن يفتح نقاشا حول علاقة الشباب بالحرية في عالم تتزايد فيه الأزمات والتحولات، بمشاركة وزير الشباب والثقافة والتواصل محمد المهدي بنسعيد، والوزيرة الفرنسية السابقة نجاة فالو-بلقاسم. كما امتدت النقاشات إلى علاقة الفنون والثقافة بالوجود الإنساني، في مائدة مستديرة جمعت كتابًا وفنانين وباحثين، لتؤكد أن مهرجان كناوة لا يكتفي بالاحتفاء بالموسيقى، بل يجعل منها مدخلًا لإنتاج المعرفة، وتبادل الأفكار، وإعادة التفكير في القضايا الكبرى التي تشغل العالم.
من التراث إلى الاقتصاد.. بنسعيد يبرز رهانات كناوة
في هذا الصدد، أعرب محمد مهدي بنسعيد، وزير الشباب والثقافة والتواصل، عن سعادته بالمشاركة في الدورة الحالية من مهرجان كناوة وموسيقى العالم بالصويرة، مؤكدا أن هذا الموعد الثقافي يضطلع بدور محوري في تثمين التراث وصونه، باعتباره جزءا من الخدمة العمومية التي تقدمها الثقافة، إلى جانب مساهمته في تعزيز الحوار بين التراث المغربي ومختلف ثقافات العالم.
وأوضح أن المهرجان لا يقتصر على بعده الثقافي، بل يشكل أيضا رافعة اقتصادية حقيقية تندرج ضمن الصناعات الثقافية، مبرزا أن كل درهم يستثمر في هذه التظاهرة ينعكس بعائد اقتصادي على المدينة، من خلال خلق فرص الشغل ودعم العاملين والفاعلين المرتبطين بتنظيم المهرجان، وهو ما يمنحه بعدا تنمويا يتجاوز الجانب الفني.
وأضاف أن المهرجان يواكب برمجته الفنية بفضاءات للنقاش وتبادل الأفكار، من خلال المنتدى الذي يجمع شخصيات من مجالات مختلفة مع الشباب لمناقشة قضايا راهنة، من بينها الحرية ودور الشباب، إلى جانب تنظيم لقاءات وورشات تكوينية و"ماستر كلاس" لفائدة المهتمين بالصناعات الثقافية والإبداعية.
وأكد أن الوزارة تشجع هذا النموذج الثقافي الذي ينسجم مع رؤيتها الرامية إلى تعميم مثل هذه المبادرات في مختلف جهات المملكة، معتبرا أن الثقافة والصناعات الثقافية تمثلان رافعة للتنمية، ويمكن أن تشكلا بديلا عمليا للإجابة عن عدد من التحديات، وفي مقدمتها إشكالية التشغيل.
من الذكاء الاصطناعي إلى المناخ.. هواجس تُبعد الشباب عن السياسة
وبينما توقف محمد المهدي بنسعيد عند الأبعاد الثقافية والاقتصادية للمهرجان، انصب تدخل الوزيرة الفرنسية السابقة للتربية والتعليم، نجاة فالو-بلقاسم، على سؤال لا يقل أهمية، يتعلق بمكانة الشباب في المجال السياسي، وشروط إعادة بناء الثقة بينهم وبين المؤسسات.
أعربت الوزيرة الفرنسية السابقة لقطاع التربية والتعليم، عن سعادتها بالمشاركة في الدورة الحالية من مهرجان كناوة وموسيقى العالم، وبالمنتدى المخصص لحقوق الإنسان، مؤكدة أنها كانت تتابع هذا الموعد الثقافي منذ سنوات دون أن تتاح لها فرصة حضوره، معتبرة أن مشاركتها هذه السنة شكلت فرصة طال انتظارها.
وأوضحت أن النقاش الذي جمعها بوزير الشباب والثقافة والتواصل تناول قضية تشغل مختلف المجتمعات، تتمثل في مشاركة الشباب في صنع القرار السياسي، مشيرة إلى أن هناك حالة متزايدة من فقدان الثقة لدى الأجيال الشابة تجاه السياسة والمؤسسات، رغم رغبتهم في بعض الأحيان في الانخراط في الشأن العام.
وأكدت أن الحياة السياسية في حاجة ماسة إلى تجدد دائم ، معتبرة أن التحديات الكبرى التي تواجه العالم اليوم، من قبيل التغير المناخي، وعودة الحروب، والتطور المتسارع للذكاء الاصطناعي في غياب الضوابط، تتطلب قدرًا أكبر من الخيال والجرأة وحرية التفكير، وهي خصائص تتوفر لدى الشباب أكثر من غيرهم.
وشددت على أن جذب الشباب إلى العمل السياسي لا يتحقق عبر الخطابات الجذابة، بل من خلال خلق بيئة تمنحهم الثقة في المستقبل، داعية السلطات العمومية إلى معالجة مصادر القلق التي يعيشها الشباب، وفي مقدمتها المخاوف المرتبطة بمستقبل الكوكب، وفرص الشغل، وتأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل.
وأضافت أن على الحكومات أن تقدم إجابات عملية لهذه التحديات، عبر تبني سياسات حقيقية للانتقال البيئي، ووضع إطار لتنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي بما يضمن حماية الإنسان، معتبرة أن تجاهل هذه الهواجس يجعل من الصعب مطالبة الشباب بالانخراط في الحياة السياسية.
وخلصت إلى أن مصلحة المجتمعات تقتضي تشجيع الشباب على الالتزام بالشأن العام وخدمة المصلحة العامة، لأنهم يمتلكون القدرة على الإبداع وتقديم حلول جديدة للتحديات التي تواجه العالم.