من الغلاء إلى الهدر الجامعي.. أومريبط يرسم صورة قاتمة لمنظومة التعليم بالمغرب

خديجة قدوري

استحوذت قضية الغلاء على الجزء الأبرز من تعقيب حسن أومريبط، عن فريق التقدم والاشتراكية، خلال جلسة الأسئلة الشفوية الموجهة إلى رئيس الحكومة حول موضوع الاختيارات الحكومية لتعزيز منظومة التربية والتكوين في بناء المغرب الصاعد، إذ اعتبر أن ارتفاع أسعار مختلف المواد والخدمات، من الأضاحي واللحوم والخضر والفواكه إلى الكتب واللوازم المدرسية، سيظل، في تقديره، الصورة الأوضح التي تطبع هذه المرحلة في ذاكرة المغاربة، لما خلفه من أعباء ثقيلة على الأسر.

وكشف خلال مداخلته أن التاريخ سيسجل لهذه الحكومة أنها عرفت، في عهدها، أضخم وأطول احتجاجات خاضتها نساء ورجال التعليم دفاعا عن حقوقهم المشروعة، كما ستسجل المرحلة نفسها، بحسب تعبيره، خروج فئات واسعة من شباب الجيل الجديد والطلبة وأساتذة التعليم العالي للاحتجاج ضد اختياراتها.

غلاء، اختلالات وحكامة مثيرة للجدل في مواجهة الحكومة

وفيما يتعلق بالاختيارات الحكومية، قال إنه لا يجد وصفا أبلغ لها من تصريح الوزير الذي وجه، على حد تعبيره، خطابا إلى الأسر المغربية داعيا إياها إلى البحث عن مدارس توفر الجودة لأبنائها، و"تقريب الدوار من المدرسة بدل تقريب المدرسة من الدوار"، في إشارة اعتبرها مثيرة للجدل وسريالية في مضمونها.

وأشار إلى أن الحكومة، رغم ما تعتبره إنجازا يتمثل في رفع الاعتمادات المالية المخصصة لقطاع التعليم، وهو ما وصفه بالأمر العادي بالنظر إلى الارتفاع السنوي لميزانية هذا القطاع منذ الاستقلال، إلا أن العبرة، بحسب تعبيره، تبقى بالنتائج لا بالوسائل، ملاحظا أن اعتمادات مالية ضخمة أصبحت تُرصد لبرامج ومشاريع التعليم دون أن ينعكس ذلك بشكل ملموس على الواقع، الأمر الذي يطرح، في نظره، إشكالية الحكامة ويستدعي تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.

وفي سياق حديثه عن الحكامة، أفاد بأن الحكومة مطالبة بتقديم توضيحات للرأي العام التعليمي والوطني بشأن خلفيات الإعفاءات والتعيينات التي باشرتها الوزارة في الآونة الأخيرة، متسائلا عما إذا كان هذا العدد من الإعفاءات يعكس فشل المسؤولين الإداريين السابقين، وهو ما قد يعني، بحسب تعبيره، فشل المشروع الحكومي في قطاع التعليم، أو أن الأمر يتعلق بنجاح هذا المشروع، وهو ما يجعل من هذه الإعفاءات والتغييرات الواسعة، في نظره، خطوة تطرح أكثر من علامة استفهام.

ولفت الانتباه إلى أن معالجة أعطاب المنظومة التعليمية لا ترتبط بالموارد المالية فقط، بل بكيفيات توزيعها وتوجيهها، مؤكدا أن الإصلاح يقتضي أيضا تعبئة مجتمعية شاملة، وهو ما لا يمكن أن تضطلع به، بحسب تعبيره، إلا حكومة سياسية حقيقية تحظى بمصداقية شعبية، وقادرة على الإشراك والإنصات والإقناع.

بين الوعود والواقع.. أومريبط يهاجم حصيلة الحكومة في إصلاح التعليم

على مستوى المنجز الفعلي، قال إن الحكومة قامت بإخراج بعض القوانين المتفرعة عن القانون الإطار، وهو ما لا يمكن إلا تثمينه، غير أنه اعتبر أن ذلك جاء متأخرا بشكل كبير، مبرزا أن مضامين هذه النصوص لا تستجيب، في نظره، لمتطلبات الارتقاء بالمدرسة والجامعة العموميتين، كما أن تنزيلها يظل، بحسب تعبيره، رهينا بإخراج عشرات النصوص التنظيمية والتطبيقية التي سترحل إلى الحكومة المقبلة.

وفي سياق متصل، قال إن هذه الحكومة، وهي على مشارف نهاية ولايتها، كانت قد نالت ثقة البرلمان على أساس التزامات تعهدت من بينها بإدراج المغرب ضمن أفضل 60 بلدا في مجال التعليم، غير أن الواقع، بحسب تعبيره، يكشف عن تصنيفات متأخرة جدا ومحرجة على مستوى مهارات القراءة والكتابة والرياضيات واللغات، رغم ما يحققه بعض التلاميذ من نتائج إيجابية بفضل مجهوداتهم الفردية ودعم أسرهم.

وأشار إلى أن ما يسمى "مدارس الريادة" يقدم، في نظره، كحل جاهز، غير أنه دعا إلى ضرورة الإنصات لآراء البيداغوجيين والأسر والمختصين والأساتذة من أجل تقييم هذه التجربة وتجاوز ما قد يعتريها من اختلالات، لافتا إلى ما اعتبره مؤشرات على محدوديتها، كما ورد، بحسب تعبيره، في تقارير المجلس الأعلى للتربية والتكوين التي نبهت إلى صعوبة تعميمها، وإلى أنها لا تركز بالشكل الكافي على كفايات الإبداع والابتكار والتفكير النقدي كما ينص عليه القانون الإطار.

وأفاد بأن من الضروري، في هذا السياق، إثارة إشكالية الكتاب المدرسي على ضوء ما ورد في تقرير لمجلس المنافسة بشأن اختلالات تطال سوقه، معتبرا أن هذا القطاع أصبح، بحسب تعبيره، خاضعا لمنطق تجاري قائم على الاحتكار وفوضى الأسعار، إضافة إلى ما وصفه برداءة الشكل والمحتوى. كما أشار إلى أن الحكومة التزمت بجعل مهنة التدريس أكثر جاذبية، خاصة عبر الرفع من الأجور بمبلغ 2500 درهم في بداية المسار المهني للأستاذ، غير أن هذا الالتزام، حسب تعبيره، لم يتم الوفاء به بشكل كامل.

وشدد على أنه، رغم تثمين المجهود المالي المبذول لتحسين أوضاع الأستاذات والأساتذة سواء من حيث الترقيات أو التوظيفات، فإن هذا المجهود يظل، بحسب تعبيره، غير كاف أمام الارتفاع المتواصل لأسعار مختلف المواد الذي يثقل كاهل الأسر. كما نوه بالنظام الأساسي، معتبرا أنه يتطلب التنفيذ الكامل لمختلف مقتضياته لفائدة جميع الفئات، دون تسويف أو انتقاء أو إقصاء.

وفي هذا السياق، أقدمت الحكومة، بحسب تعبيره، على قرار وصفه بالعبثي يتعلق بتسقيف سن الولوج إلى مهن التدريس في 30 سنة ثم رفعه إلى 35 سنة، دون تقديم مبرر مقنع يربط بين الكفاءة والعمر. وتساءل عن الجهة التي ستتحمل مسؤولية الضرر الذي لحق بالشباب الذين تم إقصاؤهم من اجتياز هذه المباريات، معتبرا أن مثل هذه الإجراءات لا تساعد على تعزيز ثقة الشباب في المؤسسات وفي القرار العمومي.

وكشف أن ما وصفه بفشل الحكومة في المجال التعليمي يشكل، في نظره، دليلا على أن مفهوم الدولة الاجتماعية لا يعدو أن يكون مجرد شعار وقناع، مضيفا أنه لا يوجد ما يبرهن على ذلك أكثر من استمرار ما بين 280 و300 ألف تلميذ سنويا في مغادرة المدرسة قبل الأوان، وهو ما اعتبره مؤشرا مقلقا يهدد التماسك الاجتماعي.

واستطرد متسائلا عن طبيعة هذا النجاح المعلن، في ظل واقع لم تعد فيه المدرسة، بحسب تعبيره، مصعدا اجتماعيا يضمن لجميع بنات وأبناء الوطن اكتساب المعارف والكفايات الأساسية بغض النظر عن خلفياتهم الاجتماعية أو مجالاتهم الترابية، مشيرا إلى أن هذا الوضع يتفاقم بفعل الاختلالات التي تعاني منها آلاف المؤسسات التعليمية، خاصة في المناطق الجبلية والقروية وضواحي المدن.

أومريبط يضع التعليم العمومي في صلب الانتقادات.. اختلالات بنيوية وأرقام مقلقة

وأوضح أن عددا من المؤسسات التعليمية ما زال يشتغل في ظروف غير ملائمة، سواء من حيث غياب الربط بشبكتي الماء والكهرباء، أو نقص الفضاءات والحجرات الدراسية التي تضمن شروط التحصيل، مع تسجيل نسب اكتظاظ في سلكي الإعدادي والثانوي تتراوح بين 13 و15.5 في المائة، أو ضعف أو انعدام خدمات النقل المدرسي، مشيرا إلى أن المدارس الجماعاتية بدورها، وبحسب ما رصده المجلس الأعلى للحسابات، لا تزال تعاني من مجموعة من الاختلالات التي ما زالت معالجتها مؤجلة.

وأشار إلى أن التفاوتات في التعلم تتشكل في مراحل مبكرة جدا، ما يجعل من التعليم الأولي رافعة أساسية يفترض أن تحظى بأولوية قصوى، مذكرا بالتزام الحكومة بتعميمه دون أن يتحقق ذلك على أرض الواقع، كما لفت إلى عدم الوفاء بالوعود المتعلقة بتحسين أوضاع المربيات والمربين الذين يشتغلون، في الغالب، في ظروف هشة وبعقود غير مستقرة وأجور متواضعة.

وفيما يتعلق بهذا الجانب، أشار إلى أن استمرار هذه الاختلالات دون معالجة فعالة يفضي، بشكل ضمني وقسري، إلى دفع الأسر نحو التعليم الخصوصي، مبرزا أنه تم تسجيل ارتفاع في عدد مؤسسات هذا القطاع بحوالي 1100 مؤسسة خلال السنوات الأربع الأخيرة. وأضاف أنه، رغم اعتبار التعليم الخصوصي شريكا يقوم بدور تكميلي، فإن الحكومة كان يفترض بها، بحسب تعبيره، أن تتحمل مسؤوليتها في تأطيره وتنظيمه وضبط ممارساته باعتباره يساهم في تقديم خدمة عمومية أساسية.

وأضاف أن ذلك كان يفترض أن يتم في إطار تنظيم محكم، عوض ما وصفه بالفوضى في تحديد الأقساط والرسوم، وفرض بعض المقررات الدراسية بشكل غير منضبط، إضافة إلى ما اعتبره تحوّل بعض المؤسسات إلى ممارسات تجارية تشمل بيع الكتب بأسعار مرتفعة.

وفي سياق متصل، قال إن الوقت لا يسمح بتفصيل جميع ما وصفه بإخفاقات الحكومة في المجال التعليمي، غير أنه لخص أبرزها في استمرار معدل الأمية في حدود 27 في المائة، وعدم تحقيق تقدم ملموس في النهوض بتدريس اللغة الأمازيغية، إلى جانب بقاء عدد من المؤسسات التعليمية في مناطق زلزال الحوز في انتظار إعادة البناء أو التأهيل، فضلا عن ما اعتبره وضعا موسوما بالاحتقان والتخبط والاكتظاظ والتراجعات داخل التعليم العالي.

وخلص إلى القول إن الهدر الجامعي يناهز 50 في المائة، في وقت يُسجَّل فيه معدل مرتفع للبطالة في صفوف حاملي الشهادات يصل إلى 19,1 في المائة سنة 2025، و37,2 في المائة لدى الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة، معتبرا أن هذا هو الواقع الذي ينبغي مواجهته، ومؤكدا أن الرهان على المدرسة والجامعة العموميتين المجانية وذات الجودة يمثل، في نظره، الخيار الصائب لاستعادة ثقة المغاربة في منظومتهم التعليمية، وجعل النجاح المدرسي رافعة للمساواة والارتقاء الاجتماعي، وإعادة الاعتبار للمدرس والمجال في قلب العملية التعليمية، بما يسهم في تعزيز مكانة المغرب كقوة إقليمية على الصعيد الجامعي والعلمي والتكنولوجي.