عاد نحو نصف مليون فلسطيني السبت إلى مدينة غزة المدمّرة في اليوم الثاني من وقف إطلاق النار بين المقاومة الفلسطينية وقوات الاحتلال الإسرائيلي، وسط مشاعر مختلطة من الصدمة والارتياح؛ فبينما وجد البعض منازلهم مدمَّرة بالكامل، تنفَّس آخرون الصعداء لأن بيوتهم ما تزال قائمة رغم الأضرار.
ويأتي ذلك فيما تتجه الأنظار إلى القاهرة التي يُتوقَّع أن تشهد، يوم الاثنين، زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وعدد من القادة الأجانب لدعم تنفيذ اتفاق الهدنة. وفي الأثناء، شدّد قيادي في حركة حماس في تصريح لوكالة فرانس برس على أن «تسليم سلاح المقاومة غير وارد إطلاقًا».
تبادل أسرى ومعتقلين... ومقاومة صامدة
ينص الاتفاق على إطلاق سراح الرهائن المتبقين لدى المقاومة في مقابل الإفراج عن معتقلين فلسطينيين في سجون الاحتلال بحلول الساعة التاسعة صباحًا بتوقيت غرينتش يوم الاثنين. وأعلنت سلطات الاحتلال أنها جمعت بالفعل المعتقلين الذين سيتم الإفراج عنهم في سجنين استعدادًا لعملية التبادل.
وبموجب اتفاق الهدنة المقترح من ترامب، ستُفرج حماس عن 47 رهينة – أحياء وأموات – من أصل 251 اختُطفوا خلال عملية السابع من أكتوبر 2023، إضافة إلى رفات أسير احتُجز عام 2014. وفي المقابل، ستُفرج إسرائيل عن 250 أسيرًا محكومين بالمؤبد، و1,700 معتقل من سكان غزة جرى اعتقالهم منذ اندلاع العدوان.
عودة مؤلمة وسط الركام
أفاد الدفاع المدني في غزة أن أكثر من نصف مليون فلسطيني عادوا إلى شمال القطاع منذ بدء الهدنة ظهر الجمعة. ومن بين العائدين رجاء سلمي، التي سارت ساعات طويلة نحو بيتها في حي الرمال لتكتشف أنه تحوّل إلى ركام. وقالت: «كل خطوة كانت مليئة بالخوف… وعندما وصلت، وقفت أبكي، كل الذكريات صارت غبارًا».
وصرّح ساهر أبو العطا: «لا أجد كلمات تصف ما أراه… دمار، دمار، ومزيد من الدمار»، في وصف لحجم الخراب الذي خلّفه العدوان الإسرائيلي المتواصل على القطاع.
المقاومة: «التهجير فشل.. وسلاحنا خط أحمر»
مع بدء انسحاب بعض قوات الاحتلال من مناطق في غزة منذ ظهر الجمعة، بدأت مهلة الـ72 ساعة أمام المقاومة لإطلاق سراح الرهائن. واعتبرت حماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أن اتفاق الهدنة «كسر أهداف الاحتلال في فرض التهجير والاقتلاع» على الفلسطينيين.
وقال مسؤول في حماس لوكالة فرانس برس إن «موضوع تسليم السلاح غير مطروح إطلاقًا». وأوضح باسم نعيم، عضو المكتب السياسي للحركة، في مقابلة مع "سكاي نيوز" أن «المقاومة لن تسلم سلاحها إلا حين تقوم دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة قادرة على الدفاع عن نفسها».
وتنص خطة ترامب أيضًا على إنشاء قوة دولية لتوفير الأمن في غزة، غير أن القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) أكدت أن أي قوات أميركية لن تُنشر في الأراضي الفلسطينية، في حين سيتم إرسال فريق مكوّن من 200 عسكري أميركي للإشراف على تنفيذ الاتفاق بالتنسيق مع مسؤولين مصريين وقطريين وأتراك وربما إماراتيين.
غزة... مدينة أشباح تعيش الكارثة
مشاهد الخراب تعمّ أرجاء المدينة. ففي مستشفى الرنتيسي للأطفال، أظهرت الصور قاعات مدمّرة وأسِرّة مقلوبة وسقوفًا منهارة ومعدات طبية متناثرة. وأعلنت الأمم المتحدة قبل العدوان الأخير حالة «المجاعة» في مدينة غزة، في سابقة هي الأولى من نوعها في الشرق الأوسط.
وقال مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) إن الاحتلال سمح بإدخال 170 ألف طن من المساعدات ضمن خطة استجابة إنسانية خلال أول 60 يومًا من الهدنة. وأشارت منظمة «أطباء بلا حدود» إلى أن الحاجات الإنسانية الأساسية ما زالت ملحّة، من أدوية وغذاء ومياه ووقود ومأوى لمليوني شخص يواجهون الشتاء بلا سقف.
وسط هذا المشهد الكارثي، يتجوّل العائدون بين الركام بحثًا عن بقايا منازلهم. وقال الشاب سامي موسى (28 عامًا): «الحمد لله، وجدنا بيتنا لا يزال واقفًا رغم الأضرار… غزة تبدو كمدينة أشباح، ورائحة الموت لا تزال في الهواء، لكننا سنعيد البناء».
أرقام دامية تكشف حجم المجزرة
وفقًا لوزارة الصحة في غزة، فقد أودى العدوان الإسرائيلي بحياة ما لا يقل عن 67,682 شخصًا، أكثر من نصفهم من النساء والأطفال، وهي أرقام تؤكد الأمم المتحدة موثوقيتها. وتُظهر الإحصاءات أن الحرب اندلعت إثر عملية «طوفان الأقصى» التي نفذتها حماس في 7 أكتوبر 2023، وأدت إلى مقتل 1,219 شخصًا في إسرائيل، معظمهم من المدنيين، بحسب أرقام رسمية إسرائيلية.