منذ أشهر، دشنت سفارات الجزائر بعدد من الدول العربية والإفريقية ما يحاكي عملية "Volksempfänger" (الراديو الشعبي) التي استعملها الحزب النازي الألماني بغرض إسماع خطابات قيادته داخل كل بيت، بعد وصوله إلى السلطة عام 1933 تحت شعار "اكذب ثم تكذب حتى تصدق كذبك ويصدقك الناس".
الفرق بين التجربتين هو أن الجهاز وفره مهندس الدعاية النازية، جوزيف غوبلز، بثمن رخيص جدا، عكس ما تكلفه "الراديوهات البشرية" التي استقطبها عسكر قصر المرادية، وجعلها تتكلف بمهمة داخل مقرات هيئات تحرير عدد من المؤسسات الصحفية والإعلامية.
حسب معطيات موثوقة سوف ننشر تفاصيلها بدقة في ما بعد، وبناء على ما تمت مراكمته من علاقات في الصحافة الدولية بحكم تجربة سابقة، وأيضا القرب من هيئات مهنية تمثل الصحافيين الأفارقة، فإن من كلفوا بالمهمة من الجزائر، ركزوا على دولتين، مصر في إفريقيا، ولبنان في الشرق الأوسط.
لماذا التركيز هنا؟
لأن السواد الأعظم من الصحافيين، الذين يشتغلون بالقطعة مع مؤسسات إعلامية دولية ووكالات الأنباء، وحتى المسؤولين عن التحرير وسكرتاريته ورئاسته، في الغالب من أرض الكنانة ووطن الأرز.
ما هي المهمة؟
هي: حجب أي مادة إعلامية تتطرق للجوانب الإيجابية التي تهم مملكة المغرب، وإبراز أي محتوى صحفي يركز على الجوانب السلبية. نعم، الأخيرة توجد ومستمرة، لكن توجيهات التحرير المتحكم في كلماته، بعدما تمت تعبئة رصيدها من آبار الغاز والبترول الجزائري، تفرض استعمال الحشو ما أمكن، وحتى إن لم يكن ممكنا، لصناعة قصص يكون السواد الأعظم من كذبها مغلفا بنسبة ضئيلة من الحقيقة.
اسألوا الصحافيين المغاربة الذين يتعاونون، اليوم، مع عدد من وسائل الإعلام العربية والإفريقية وبعض المؤسسات الأجنبية، سوف يخبرونكم أن ثلثي مقترحاتهم أصبحت ترفض إن كانت تقارير تتحدث عن المغرب بإيجابية، وإن لم تكن من صنف ما نصفه نحن المغاربة بـ"التطبيل"... ثم كيف يطلب منهم منذ مدة التركيز على مواضيع أخرى تصور المغرب على أنه جحيم للعيش، بل كما قلنا سابقا، النفخ فيها... وإن لم يقترف الزملاء المغاربة هذا الجُرم المهني، يتكلف المحررون بتوجيهات من "الراديوهات البشرية الجزائرية" بالمهمة.
مع ذلك، وبعد هذه المقدمة التي تمهد للموضوع الأساسي والرئيسي لهذا المقال، أعتقد أن ما يقع اليوم يمكن وضعه في سياق الآية القرآنية: "عسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم". بثلاثة شروط، سوف نتطرق إليها لاحقا في هذه الأسطر.
هل تعلم جريدة "لوموند" أنها منحت القصر أول استفتاء يكاد يكون مباشرا حول مستقبل الملكية بالمغرب؟!
كيف؟
قبل الجواب، وجب التذكير بأن المغاربة راكموا منذ قرون جينات مناعة قوية ضد الاستعمار، مهما اختلفت جنسياته... حتى حين يُقترف بغدر من الداخل قبل أي عامل خارجي يكون فقط مساعدا على تنزيل شروط الاحتلال، سواء المباشر أو غير المباشر... لذلك، فالوعي الجمعي للمغاربة - أقول المغاربة وليس أشباههم ممن يحملون بطاقة التعريف الوطنية دون هوية - يواجه بعنف أي محاولة لجعل هذه الرقعة الجغرافية من العالم متحكما فيها من طرف أحدهم.
حتى في السياسات الخارجية للمغرب، ومنذ قرون أيضا، تجدها لا تضع بيضها كله في سلة واحدة، مهما اختلفت السياقات والظروف... سياسة أساسها تنويع العلاقات والاستقلالية في اتخاذ المواقف من منطلق تحرك الدولة وليس شيئا آخر يشبهها.
لنقفل قوس التذكير، ونمر إلى الجواب عما منحته "لوموند" للملكية بالمغرب.
سوف نركب نفس الموجة معا، ونحاول الاقتناع في محاولات التحليل بنفس الأسلوب الذي صيغ به مقال المنبر الفرنسي، الذي يتحرك وفق توجيهات من له المصالح الصغرى من منطلقات المكاسب الكبرى.
ونقول: نعم المملكة المغربية تعيش فترة انتقالية للحكم. ماذا بعد؟ عاش المغرب منذ نشأة دولته فترات انتقال الحكم من الأب إلى الابن؟ هل هذا معطى جديد؟ ... حسب التاريخ أكيد لا...؟ عاش تجهيز وتحضير فترات الانتقال مع الحفاظ على استمرار الدولة بمختلف مسميات من يحكمها...
هنا سوف أطرح على مسؤولي الجريدة سؤالا: هل يطالعون ما يكتبه عدد من الصحافيين المغاربة والمفكرين والمثقفين وحتى المدونين عن هذا الانتقال؟
هؤلاء، قرأت عند بعضهم وهم يخطون أسطرا من داخل التراب المغربي، يتحدثون فيها عن وصف "مملكة ولي العهد"... كيف يتم تجهيز الأمير الحسن لتسلم مفاتيح القصر الملكي... التحولات التي تطرأ أو يجب أن تطرأ اليوم وغدا... الأخطاء التي ارتكبت وترتكب... تفاصيل تجاه من يتحملون بعض المسؤولية أو كلها عن هذه الأخطاء... وهكذا... دون انقطاع... بشرط أن تكون الكتابة من محبرة المداد الذي يحمل علامة "صنع بالمغرب"...!
ويشير هؤلاء أيضا، في ما ينشرونه، إلى عدد من التناقضات التي توجد في أي دولة، ولا يمكن أن تكون هناك أصلا دولة ذات سيادة مطلقة بدون تناقضات... في تونس، رئيس من لغة مسلسلات "الكواسر" و"البواسل" يجلس منذ سنوات على كرسي بثلاثة أرجل، لأنه أعدم كل تناقضات ما لا يشبه الدولة، الأقرب لملحقة جزائرية تابعة لولاية فرنسية فارة من "بيت الزوجية".
"لوموند"، وعبر من تكلفوا بمهمة تبسيط مضمون مقالتها للمغاربة، من خلال مواقع التواصل الاجتماعي ومنصات بث الفيديوهات، مشكورين على ذلك، سهلت على المغرب والمغاربة أي تحول يمكن أن يطرأ وإن بشكل مفاجئ وطارئ.
"لوموند" أشعلت تلك "البولة الحمراء" التي يترك مع وميضها المغاربة كل الخلافات جانبا، ليركزوا مع مستقبل الوطن أولا وأخيرا.
أغفلت بدون جهل أن الملكية أساس بنية النظام السياسي المغربي، ومحورُه، ومتعالية دستوريا على كل مؤسساته، لكنها لا تتموضع بأي شكل في مواجهة الشعب، الذي تعتبره أساس الشرعية.
لهذا، ومن موقع إشرافها ومسؤوليتها على السلطة التنفيذية مثلا، يمكن أن تتموقع في وضعية انتقاد الأداء، والتعرض بالنقد للسياسات.
منذ 2016 لا يخلو خطاب ملكي من انتقاد وتوجيه، آخره الحديث عن "مغرب السرعتين".
هذه الوضعية تُصعب الفهم على محللي "لوموند" وغيرها، الذين يسقطون تصورات مغلوطة بشأن الملكية في المغرب في تحليلاتهم، ويتجاهلون حقيقة أنها عابرة لـ"المواقع"، وقطعا لا تضع نفسها خارج "شرعية الشعب"، الذي يراها بدوره ضمانة استقرار، وحماية من الانزلاق، وعامل جمعٍ لا تفريق.
هذه العلاقة الممتدة في الزمن في علاقة المغاربة بالمغرب، هي بالتحديد ما يجعل آثار مثل هذه الحملات شبه معدوم، وغير مؤثرٍ في سيرورة التاريخ المغربي، بكل نجاحاته، وأيضا إخفاقاته، والتي تقف الملكية إلى جانب الشعب في الإشارة إليها دون شعور بالتناقض في الوظائف.
في المقابل، نعم، هناك متنفعون دائما من اشتعال الضوء الأحمر أو إطالة إطفائه... هنا، كبح جشعهم للتنفع من كل الأزمات دور الشعب الذي سوف ترفع تقارير السفارات الأجنبية أنه خط الدفاع الأول بالمغرب عن استمرار الملكية، بكل التناقضات تجاهكما يجب أن تبقى وتستمر... الأساس أنها سوف ويجب أن تستمر... هذه هي هدية "لوموند"، التي أنا على يقين أن سحرها انقلب على الساحر الذي أنتج هذه الفقرة... ولمَ لا... يمكن أن تكون فقرة خُدع سحرية فقط... فقرة لن تتجاوز كونها بالون اختبار لا غير ... ويمكن أن يكون كذلك ...
قبل أن نمر إلى ما يهمنا في الداخل أكثر من الخارج، وجب أن نوضح للقارئ أن من يتابع تطورات التواصل عن كل ما يهم المغرب، تحول إنتاج محتواه إلى ما يشبه غرفة تحرير موحدة، جمعت أمام مكاتبها المتفرقة حول العالم، مكلفين بمهام من مختلف الجنسيات... لكل عقده الشخصية، ولكل غايته النفسية، ولكل هدف، صغُر أو كبُر، محركه مصلحة ذاتية أساسا لم تتحقق، أو مل في قاعة الانتظار للاستفادة من وعد أو وعود تحولت إلى حق يجب أن يكتسب بدون جهد... مصالح تتقاطع حتى مع أطماع مستقبلية لمن يدعون الوطنية الحقة عندنا في الداخل...
ماذا عن الأخير وألغامه بالعاصمة؟
أوردت فيما سبق آية "عسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم"، وتتمة الآية "عسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم"... ثلاثة أوجه للشر تنتقل بنا من الجزء الأول للآية إلى الثاني بسرعة "البراق"...
مكمن الشر الأول بالمغرب ضعف، إن لم أقل عقم... بل... بحثت عن تعبير أقوى لم أجد... سوف أكتفي بعقم... عقم مؤسسات إعلامية شاءت لها الدولة للأسف أن تكون كذلك، بوضع مسؤولين على رأسها لا يجتهدون... ينتظرون الإشارة للتحرك... ألفوا العيش داخل مربع منطقة الراحة... اجتهادهم الوحيد كل موسم إعلامي يكون حين تطلق صفقات طلبات العروض لإنتاج البرامج والمسلسلات.
المغرب مثل بطل أولمبي يدخل السباق بطلا، يستعد طوال الموسم لكسر الأرقام القياسية، وليس التتويج فقط، لكن رئتيه تمتلئان، ليلة السباق، بدخان مكيف يبيت عند رأسه، يشتغل بالفحم الحجري... يبيت وهو يتوهم أن الجهاز يمنع عنه الحرارة المفرطة، يبرد جسده نعم، في المقابل يحقنه بكميات مفرطة من ثاني أوكسيد الكاربون، الذي إن لم يقتله ليلتها، يجبره على خسارة السباق والحلول في رتب جد متأخرة...!
هكذا يفوت إعلام المغرب الرسمي، وغير الرسمي، على المملكة حصد المكاسب أو على الأقل المراكمة منها وعليها.
مكمن الشر الثاني، نخبة سياسية واقتصادية - يمكن جمعهما معا لأنهما الآن وجهين لتوأمين حقيقيين لعملة واحدة - فاسدة... لن أطيل هنا... يعرف المغاربة وغيرهم لماذا يستسهل منذ سنوات تناول ما يهم المغرب بسهولة من مختلف أوجه نقط ضعفه... كانت النخبة في الماضي القريب حتى تلك التي عارضت الملكين الراحلين محمد الخامس والحسن الثاني وحتى ابان بداية حكم الملك محمد السادس تتحرك حول العالم لأجل الوطن ومصالحه... اليوم تتحرك خارجه وداخله لأجلها هي ولأجل غنائم مصالحها دون غيرها...
الشر الثالث، منظومة تعليمية يجب أن تنقذ بأسرع وقت ممكن، بعيدا عن تجار الغنائم، وبعيدا عمن يرون في جريدة "لوموند" وغيرها من فرنسا أولا وأخيرا، تلك القنوات التي يتم عبرها تصريف استمرار الاستفادة من المصالح، وإن تطلب منهم الأمر ضرب أسس الدولة، وتنزيل ما يترك شعبها تحت سقف الجهل وليس الأمية فقط.
ما ينشر عن المغرب، يتلقفه الشعب المغربي اليوم بالدرجة الأولى عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بدون أدنى قناة لتنقيحه... يؤخذ كله أو يترك كله... وهنا مكمن الخطر... لأن المواطن المغربي مقتنع بأهم عنصر بقاء وهو أن تحافظ دولته على سيادة حقيقية، كما بسطنا ذلك في السابق، أي الحفاظ على حدود معقولة من إنتاج مواطن يصنع التناقضات بوطنية، وليستمر في ذلك، لا يجب أن يحرم منها.
وهنا، يأتي دور جهاز أساسي ومؤسسة رئيسية، وجب أن تكون عندهما اليوم قناعات تغيير الكثير من أوجه التحرك والتواصل، القبلي والبعدي.. جهاز الأمن ومؤسسة القضاء.
لأن ما يجري، منذ سنوات، من ممارسات "الضرب والجرح" تجاههما كان مجرد مقدمة للضرب في المؤسسة الملكية، أو لنقل صراحة، مؤسسة إمارة المؤمنين بالمغرب... أقدم وأعرق نظام سياسي في العالم قائم على ثلاث ركائز: الدين، القضاء العادل، والاستقرار الأمني الذي يجلب المنفعة العامة...
محاولات هدم انتقلت إلى سرعتها القصوى، حين يتم استسهال المس في الملك وولي عهده...
ومع كل ما سبق، أعتبر ما يقع اليوم لحظة فرز عنيفة، لكنها ضرورية لاستمرار الدولة، وبدونها لن تستمر... لحظة قدمت فيها جريدة "لوموند" هدية إلى القصر، وكشفت كيف يمكن الرقص فوق ألغام الرباط بدون بتر أحد أعضاء الجسد الواحد.