في خطوة تروم التخفيف من حدة أسعار الأضاحي، وجه وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت دورية إلى ولاة الجهات وعمال العمالات والأقاليم وعمالات المقاطعات بالمملكة، يدعوهم من خلالها إلى التعليق المؤقت لعمليات استخلاص واجبات الدخول إلى أسواق وفضاءات بيع الماشية.
وأوضح الوزير، في دوريته التي اطلع عليها "تيلكيل عربي"، أنه استثناء لهذه السنة سيتم تعليق استخلاص هذه الواجبات لمدة سبعة أيام، من 21 إلى 27 ماي 2026، وذلك استنادا إلى مبدأ المساواة بين المرتفقين والقوانين الجاري بها العمل، مع التأكيد على أن أي انعكاسات محتملة لهذا الإجراء على ميزانيات الجماعات سيتم التفاعل معها من طرف مصالح الوزارة من أجل مواكبة الجماعات وتجاوز أي عجز محتمل.
إجراءات عملية لخفض الأسعار ومحاربة المضاربة
في هذا الصدد، أوضح عبد الحق البوتشيشي، المستشار الفلاحي المعتمد من طرف وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، أن الخطوة التي جاء بها وزير الداخلية تعكس اهتماما واضحا بخفض الأسعار، من خلال اعتماد تدابير عملية وملموسة تروم الحد من المضاربات داخل الأسواق، إلى جانب التصدي لظاهرة "الشناقة" ومنع بعض أشكال البيع التي تساهم في ارتفاع الأسعار.
وأضاف البوتشيشي، في تصريح ل"تيلكيل عربي"، أن هذه الإجراءات من شأنها أن تساعد على تحقيق نوع من التوازن داخل السوق، خاصة وأن عددا من الفضاءات المخصصة للبيع يتم تفويتها بمبالغ مالية كبيرة، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على تكلفة الأضاحي.
وأشار المستشار الفلاحي، إلى أن المستهلك يتحمل في نهاية المطاف مختلف التكاليف الإضافية المفروضة داخل الأسواق، موضحا أنه "عندما يؤدي البائع مبالغ مرتفعة مقابل الولوج أو مقابل تنقل الشاحنات والدراجات، فإن هذه المصاريف تنعكس مباشرة على ثمن الحولي". واعتبر أن هذه الخطة تندرج ضمن الإجراءات الرامية إلى خفض أسعار الأضاحي من جهة، وقطع الطريق على المضاربين والبلطجية الذين يستغلون الموسم لتحقيق أرباح كبيرة على حساب القدرة الشرائية للمواطنين.
فوضى تنظيمية وإصلاح مؤجل على مدار السنة
وفي ما يتعلق بطريقة تدبير الأسواق، قال البوتشيشي، إن عددا من هذه الفضاءات تعرف حالة من الفوضى، تستغلها بعض الجهات لفرض مبالغ إضافية على الباعة والمواطنين خارج ما يتم الاتفاق عليه في دفاتر التحملات، موضحا أن الأسعار المحددة في البداية غالبا ما يتم تجاوزها بشكل مبالغ فيه، ما ينعكس سلبا على السير العادي لعملية البيع.
وأكمل المستشار الفلاحي، أن بعض الممارسات المرتبطة باستخلاص الأموال داخل الأسواق "لا تتم دائما بطريقة منظمة أو قانونية"، معتبرا أن هذه الخطوة تندرج ضمن توجه يروم إصلاح منظومة "الرحبات" والأسواق المخصصة لبيع الأضاحي، سواء الأسبوعية أو المؤقتة، بما يساهم في الحد من الفوضى والمضاربة وضمان ظروف أكثر شفافية خلال الموسم.
وفي ما يتعلق بمدى كفاية تعليق الرسوم لمدة سبعة أيام لضبط وضعية أسواق الماشية، قال البوتشيشي إن الأمر يرتبط أساسا بالفترة المتبقية قبل عيد الأضحى، موضحا أن الدورية صدرت بالأمس ولم يتبق سوى بضعة أيام على العيد، معتبرا أن هذه الخطوة تبقى "بادرة طيبة" من شأنها أن تخفف نسبيا من الضغط داخل الأسواق خلال هذه المرحلة.
وأضاف أن الإصلاح الحقيقي لا ينبغي أن يكون ظرفيا أو مرتبطا فقط بالمواسم، بل يجب أن يمتد على مدار السنة، مشيرا إلى أن تصريحات وزير الداخلية بمجلس المستشارين بشأن إصلاح أسواق الخضر والأسماك والمواشي تعكس توجها نحو معالجة أوسع لا تقتصر على أسبوع أو مناسبة معينة. وأكد أن إصلاح الأسواق يتطلب مراقبة مستمرة وتنظيما دائما، لأن "الإصلاح لا يمكن أن يتحقق في ظرف زمني قصير، بل يحتاج إلى عمل متواصل وهيكلة شاملة لهذه الفضاءات".
واستطرد قائلا إن تشخيص الاختلالات الموجودة داخل الأسواق يعد خطوة مهمة، غير أن معالجة هذه الإشكالات لا يجب أن تقتصر على حلول ظرفية أو إجراءات مؤقتة تروم فقط خفض الأسعار في فترة معينة، بل ينبغي اعتماد إصلاحات مستدامة تمتد على طول السنة. وأوضح أن الأسواق الأسبوعية وأسواق الخضر والفواكه وأسواق الجملة أصبحت اليوم في حاجة إلى إعادة نظر شاملة في طرق تدبيرها وتنظيمها.
أسواق الماشية تحت المجهر: "شناقة" واختلالات مزمنة تعرقل إصلاح المنظومة
في هذا الإطار، أشار البوتشيشي إلى أن وزير الداخلية سبق أن تحدث عن الطريقة التي كانت تدار بها هذه الأسواق، والتي أفرزت حسب تعبيره "طبقة من الشناقة" تتحكم في عدد من المنتجات الأساسية الموجهة لاستهلاك المواطن المغربي، ما يساهم بشكل مباشر في ارتفاع الأسعار. وأضاف أن بعض المواد، كالخضر والأسماك والبيض وحتى الأضاحي، يتم تداولها وشراؤها أكثر من مرة داخل السوق قبل أن تصل إلى المستهلك، وهو ما يؤدي إلى تضخم الأثمان وارتفاع التكلفة النهائية التي يتحملها المواطن.
وأفاد المستشار الفلاحي بأنه، وبالنظر إلى هذه الطريقة المتعلقة بمراقبة الأسواق ورفع الرسوم داخلها، فإنها تشكل مدخولا مهما للجماعات، غير أن هذا المدخول يرتبط نظريا بالتزام هذه الأخيرة بإصلاح وهيكلة هذه الأسواق. غير أنه لا يمكن، بعد مرور سنوات، الإبقاء على الوضع نفسه دون تغيير، خاصة وأن أسواق الماشية الكبيرة بالمغرب، عند زيارتها، تكشف عن افتقارها لأبسط شروط الراحة، سواء بالنسبة للحيوان أو للإنسان، من بينها غياب الماء الصالح للشرب وعدد من المرافق الأساسية الأخرى.
وخلص البوتشيشي إلى أنه القول يجب، ونحن اليوم في سنة 2026، تحسين صورة المغرب وعدم السير بسرعتين كما أكد الملك محمد السادس، مبرزا أن هناك أسواقا كان يزورها منذ صغره وما تزال على حالها دون تغيير يذكر، وأنه إذا كان سيتم كراء أو تفويت هذه الأسواق فيجب أن يكون ذلك مشروطا بإصلاحها وإعادة هيكلتها، خاصة وأن حتى مخطط المغرب الأخضر جاء في سياق معطيات تروم تطوير القطاع الفلاحي، معتبرا أنه لا يعقل ضخ استثمارات مهمة في "عالي السلسلة" داخل القطاع، ثم نجد في المقابل أن "سافلته" تعاني اختلالات كبيرة، حيث يصل المنتوج في ظروف غير منظمة بما ينعكس سلبا على الجودة وعلى صورة القطاع ككل.