بقلم: يوسف معضور
لا زلنا لم نخرج بعد من أجواء الكان، ولا زال الكثير منا لم يستوعب ما حدث، لكن الأهم هو الفوز بتنظيم لم تتعود عليه إفريقيا ومدى الاحترافية التي أظهرناها للعالم ولأنفسنا وآننا فعلا قادرون..
فُزنا بالتحام جماعي حول هدف واحد، هو إنجاح هذا العرس، تركنا خلافاتنا وحسابتنا جانبا وطيلة العرس الافريقي عطلنا جميعا خاصية النقد، لم يكتب منا أحد عبارة واحدة تنتقد آو تسيئ لمؤسسة آو مسؤول معين، حتى السوداويون الذين اعتادوا على النقد من آجل النقد، لبسوا البياض وشاركونا فرحتم حيث آمنا جميعا آن لكل مقام مقال.
فزنا برؤية واضحة، بحُسن التدبير، وبقدرة مؤسساتية كبيرة، ولم تُرفع فقط أعلامنا على منصات الشرف، بل رُفعَ معيار الطموح الوطني لدينا، وأظهرنا جميعا أن النجاح ممكن حين تُحكم الأهداف بالخطة، والجهود بالنتائج.
تأكدنا جميعا آن كرة القدم ليست مجرد لعبة، بل أصبحت مرآة المجتمع، أظهرت قدرتها على التخطيط والاستثمار في الإنسان، فالمنتخبات التي تحقّق الانتصارات الدولية لم تصل صدفة، بل بَنت منظومة متكاملة، تشمل اكتشاف المواهب منذ الصغر، تطويرها بشكل متواصل، تأمين بيئة عادلة تُكافئ الجهد، وضمان أن كل خطوة مدروسة تؤدي إلى نتيجة ملموسة هذه هي قواعد النجاح، سواء داخل الملاعب أو في الاقتصاد، التعليم، الصحة، والإدارة العامة.
درس واضح يجب آن نستوعبه جميعا هو الانتقال من منطق الوعود إلى منطق النتائج، والكثير من السياسات المخططات الوطنية لا تتجاوز الأوراق والخطب الرنانة، بينما النجاح الرياضي يُظهر أن العمل المستمر، الانضباط، والتخطيط الدقيق يمكن أن يولّد إنجازات يفتخر بها الجميع.
الدولة التي تعرف كيف تصنع منتخبًا يحظى بالاحترام، يمكنها أن تصنع اقتصادًا قويًا، ومنظومة تعليمية متقدمة، ونظامًا صحيًا فعّالًا، إذا ما تبنت نفس المنهج، والانتقال من منطق الريع إلى تكافؤ الفرص، وفي الملاعب لا يُقاس اللاعب إلا بموهبته وجهده، قس على ذلك في المجالات الأخرى، حيث تكافؤ الفرص يعني أن كل مواطن، بغض النظر عن خلفيته، يمكن أن يكون جزءًا من النجاح إذا أُتيحت له الظروف المناسبة.
احترام هذه القاعدة هو ما يجعل النماذج الرياضية صلبة، والنماذج الوطنية الأخرى ناجحة، مع الأخذ بعين الاعتبار مسألة الانتقال من إدارة الأزمات إلى استباقها، فالدول التي تحقق ازدهارها، لا تنتظر حتى تظهر المشاكل، بل تبني نظامًا استباقيًا يكتشف نقاط الضعف قبل أن تتحول إلى أزمات.
هذا هو الدرس الأكبر لنا جميعا، التخطيط الاستباقي أفضل من التعويض بعد الضرر، والاستباق أفضل من التعلّم على حساب الفشل.
في النهاية، تبقى الانتصارات في الميدان ليست مجرد لحظات فرح عابرة، بل دليل حي على أن الدولة قادرة على إدارة مستقبلها بذكاء إذا ما تبنت مقاربات قائمة على النتائج، الكفاءة، وتكافؤ الفرص، وكل نجاح كروي يجب أن يصبح مصدر إلهام لبقية القطاعات، مناهج تعليمية أفضل، اقتصاد أكثر إنتاجية، مؤسسات شفافة، ونظام صحي يحمي حياة المواطنين.
إذا استطعنا نقل فرحة الفوز من الملاعب إلى مكاتب الدولة، فسنشهد نهضة حقيقية، لا في الرياضة فقط، بل في كل تفاصيل الحياة، الفخر الذي شعرنا به على أرض الملعب يمكن أن يتحوّل إلى فخر وطني شامل، إذا ما ربطنا الأداء بالمساءلة، والنتائج بالرؤية، والعمل بالمبادئ.