1000 مشارك و5 أيام من الابتكار.. هل ترسم مرزوكة مستقبل الذكاء الاصطناعي بالمغرب؟

خديجة قدوري

من قلب مرزوكة، أعطيت مساء يوم الثلاثاء الانطلاقة الرسمية لفعاليات "رالي الذكاء الاصطناعي – مختبر المستقبل" (Rally IA Future Lab)، بحضور أمل الفلاح السغروشني، الوزيرة المنتدبة لدى رئيس الحكومة المكلفة بالانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، في محطة تعكس الرهان المتزايد للمغرب على الذكاء الاصطناعي كرافعة للابتكار والتنمية والسيادة التكنولوجية.

تحول رقمي قائم على الكفاءات

يعكس اختيار مرزوكة لاحتضان هذا الموعد الوطني رؤية تتجاوز البعد التنظيمي للمبادرة، نحو توظيف الخصوصيات المجالية والثقافية للمملكة في صياغة تصور مغربي للذكاء الاصطناعي. وفي هذا السياق، أكدت الوزيرة أمل الفلاح السغروشني، أن اختيار مرزوكة يحمل دلالة رفيعة، باعتبارها فضاء يجمع بين العمق الحضاري والانفتاح على المستقبل، موضحة أنه "من قلب الصحراء المغربية، حيث يتسع الأفق وتشتد صلة الإنسان بالأرض والذاكرة بالمستقبل، نطلق مختبرا وطنيا للذكاء الاصطناعي، تلتقي فيه الكفاءة المغربية بالحاجة الترابية، ويلتقي الطموح الوطني بفرص الانفتاح على إفريقيا والعالم". وأضافت أن هذه الأرض، بما تحمله من رمزية حضارية وسياحية وبيئية، توفر فضاءً ملائماً للتفكير في مستقبل رقمي مغربي أصيل ومنفتح وواثق ومبادر.

وفيما يتعلق بالسياق الذي تندرج فيه هذه المبادرة، كشفت الوزيرة أن "RallyIA Future Lab" يأتي ضمن مسار وطني متكامل انطلق مع تفعيل استراتيجية "المغرب الرقمي 2030"، وتعزز بمخرجات المناظرة الوطنية للذكاء الاصطناعي، قبل أن يتجسد في الدينامية التي أطلقتها مبادرة "AI Made in Morocco". وأضافت أن هذا المسار وجد إحدى أبرز ترجماته العملية في تجربة "Hackathon RamadanIA"، التي نجحت في تعبئة طاقات شابة من مختلف جهات المملكة، وأبانت عن قدرة ملموسة لدى الكفاءات المغربية على تحويل الأفكار إلى نماذج أولية، وتسخير الذكاء الاصطناعي لمعالجة قضايا مرتبطة بالخدمات والماء والطاقة والسياحة والبيئة والإدماج الرقمي.

وأوضحت أن "RallyIA Future Lab" يمنح اليوم هذه الدينامية دفعة جديدة وصيغة أكثر نضجا، سواء من حيث المنهجية المعتمدة أو حجم الطموحات المسطرة، فضلاً عن تعزيز ارتباطها بمنطق الاستشراف وصناعة المستقبل، بما يرسخ مكانة الذكاء الاصطناعي كأداة للتنمية والابتكار وخدمة الأولويات الوطنية.

وفي هذا السياق، يندرج مسار مواكبة التحول في مجال الذكاء الاصطناعي ضمن توجه لا يقتصر على البعد التقني للمشاريع، بل يمتد ليشمل إعادة بناء الإطار التشريعي والمؤسساتي المؤطر لهذا المجال. وقد لفتت الوزيرة الانتباه إلى أن هذا المسار يتعزز بعناية تشريعية وتنظيمية، من خلال إعداد مشروع قانون الإدارة الرقمية، الذي يتضمن مقتضيات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي وحماية المعطيات وأمن المعلومات، بما يعكس توجهاً نحو تأطير أكثر دقة لاستخدامات التكنولوجيات الناشئة داخل المنظومة الرقمية الوطنية.

وأضافت في السياق ذاته أن هذا التوجه يتكامل مع العمل على إحداث مديرية عامة متخصصة في الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات الناشئة، بما يسمح بإعادة هيكلة الإطار المؤسساتي وتوضيح معالم السياسة العمومية في هذا المجال. كما أشارت إلى أن هذا المسار يتوازى مع توسيع قاعدة الكفاءات عبر برامج وطنية للتكوين في الرقمنة والذكاء الاصطناعي موجهة إلى الأطفال والشباب، في وقت يعكس فيه تطور مؤشر جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي سنة 2025، الذي سجل فيه المغرب تقدما بأربع عشرة نقطة ليحتل المرتبة السابعة والثمانين عالميا والثامنة إقليميا، حجم التفاعل مع التحولات الدولية في هذا المجال.

توجيه الذكاء الاصطناعي نحو النفع العام

يبرز النقاش الذي رافق إطلاق هذه المبادرة أن الرهان المطروح يتجاوز البعد التقني للذكاء الاصطناعي، ليمتد إلى إعادة تعريف موقعه داخل السياسات العمومية وخيارات التنمية. كما يندرج ضمن مقاربة تعتبر أن هذا المجال لم يعد مجرد أداة تقنية، بل عنصراً بنيوياً في التحولات الاقتصادية والاجتماعية الجارية.

وكشفت الوزيرة أن موضوع هذا المختبر المستقبلي يندرج ضمن رهان وطني شامل يتصل بموقع الذكاء الاصطناعي داخل التحولات الاقتصادية والاجتماعية الراهنة، معتبرة أنه أصبح عاملاً مؤثراً في إعادة تشكيل الاقتصاد وسلاسل القيمة والبحث العلمي والخدمات العمومية، إلى جانب التعليم والصحة والفلاحة والماء والطاقة والسياحة وتدبير المجالات الترابية. وأضافت أن هذا التحول يطرح إشكالية تتعلق بكيفية توجيه هذه التكنولوجيا نحو استخدامات ذات طابع نافع ومسؤول وآمن ومنتج للقيمة، بما يضمن توظيفها في خدمة الإنسان المغربي والمقاولة المغربية والإدارة المغربية، وتعزيز حضور المملكة على المستويين القاري والدولي.

وفي سياق متصل، أوضحت أن ما يتم إرساؤه اليوم يعكس اختيارا سياسيا واضحا في مقاربة الدولة للتحولات الكبرى، يقوم على تجاوز منطق التدبير الآني للسياسات العمومية نحو ترسيخ قدرة وطنية على الاستباق والاستشراف وحسن توجيه الإمكانات. وأضافت أن المغرب، بما راكمه من إصلاحات وما أرساه من مؤسسات وما يتوفر عليه من طاقات، بات يعمل على بلورة ملامح نموذج وطني في التعاطي مع التحولات التكنولوجية، نموذج لا يختزل في النتائج السريعة أو الظرفية، ولا ينظر إلى الابتكار كواجهة مؤقتة، بل يربطه بمتطلبات السيادة الوطنية ونجاعة الاختيارات العمومية واستدامتها.

الاستثمار في المعرفة كمدخل للتنمية والتنافسية

ومن جهته، أفاد كريم زيدان، وزير الاستثمار والتقائية وتقييم السياسات العمومية، أن تنظيم هذا البرنامج يندرج في سياق التوجهات الاستراتيجية التي أرستها توجيهات الملك محمد السادس، نصره الله، والرامية إلى جعل تنمية الرأسمال البشري وتشجيع الابتكار وتعزيز السيادة التكنولوجية ركائز أساسية في النموذج التنموي للمملكة، باعتبارها مداخل محورية لمواكبة التحولات العالمية وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.

وفيما يتعلق بالتحولات التي يشهدها مجال الذكاء الاصطناعي، اعتبر زيدان أن هذه التكنولوجيا لم تعد مجرد رهان مستقبلي، بل أصبحت واقعا ملموسا يعيد تشكيل الاقتصادات والمجتمعات وأنماط الإنتاج والخدمات على الصعيد العالمي. وأوضح أنها تفتح آفاقاً جديدة للنمو وتحدث تحولات عميقة في مختلف القطاعات الاقتصادية، كما توفر فرصاً غير مسبوقة للابتكار والاستثمار وإحداث مناصب الشغل.

وأضاف أن تسارع هذه التحولات يفرض على الدول تعزيز جاهزيتها لمواكبة المتغيرات التكنولوجية، مبرزاً أن القدرة على تعزيز التنافسية مستقبلاً ستظل رهينة بحجم الاستثمار في المعرفة والبحث العلمي والبنيات التحتية الرقمية، إلى جانب تأهيل الكفاءات وتطوير المهارات القادرة على الاستجابة لمتطلبات الاقتصاد الرقمي.

وفي حديثه عن الرؤية التي تؤطر تموقع المغرب في خضم التحولات التكنولوجية العالمية المتسارعة، شدد زيدان على أن المملكة حسمت خيارها الاستراتيجي في ما يتعلق ببناء اقتصاد المستقبل، معتمدة في ذلك على الاستثمار في الرأسمال البشري والابتكار وتعزيز القدرات الوطنية.

وأكد أن المغرب اختار هذا المسار بكل وضوح، واختار الاستثمار في المستقبل، وتطوير كفاءاته الوطنية، وتعزيز قدراته التكنولوجية والسيادية. ذلك أن التنمية الاقتصادية للدول لا تعتمد فقط على امتلاك الموارد، بل على ما تتوفر عليه من كفاءات قادرة على الإبداع والابتكار وصناعة المستقبل.

"Rally IA Future Lab": نحو ترسيخ منظومة وطنية للابتكار الرقمي

ومن هذا المنطلق، تكتسي مبادرة "Rally IA Future Lab" أهمية خاصة، باعتبارها فضاءً لاكتشاف المواهب وتعزيز ثقافة الابتكار وريادة الأعمال، كما تشكل مختبرا حقيقيا للأفكار والحلول المبتكرة الموجهة لتطوير مشاريع قادرة على الاستجابة للتحديات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية التي تواجهها المملكة.

وفي السياق ذاته، توقف زيدان عند الأبعاد الاقتصادية للذكاء الاصطناعي، معتبرا أنه أضحى اليوم عاملاً أساسياً في تعزيز جاذبية الاقتصادات الوطنية ورفع قدرتها التنافسية. وأوضح أن هذه التكنولوجيا تُحدث تحولات عميقة في عدد من القطاعات الاستراتيجية، من بينها التعليم والصحة والصناعة والفلاحة والطاقة واللوجستيك والخدمات المالية، كما تفتح آفاقاً جديدة أمام الاستثمارات ذات القيمة المضافة العالية وتسهم في بروز صناعات وخدمات قائمة على المعرفة والبيانات.

وأضاف أن هذا التحول يفسر تنامي الرهانات المرتبطة باستقطاب الاستثمارات التكنولوجية وتطوير البنيات الرقمية المتقدمة ومراكز البيانات والصناعات المرتبطة بالاقتصاد الرقمي. وفي هذا الإطار، أشار إلى أن تحقيق هذه الأهداف يظل مرتبطاً بمدى توفر منظومة وطنية قادرة على دعم البحث العلمي والابتكار وريادة الأعمال وتثمين المبادرات والمقاولات الناشئة، إلى جانب تعزيز التكامل بين الجامعة والمقاولة والمستثمرين من خلال شراكات تسهم في تحويل المعرفة إلى قيمة اقتصادية وتنموية.

وبذلك، عكس افتتاح "رالي الذكاء الاصطناعي – مختبر المستقبل" بمرزوكة حجم الرهان الذي بات يمثله الذكاء الاصطناعي ضمن الأجندة الوطنية، ليس فقط باعتباره مجالاً تكنولوجياً صاعداً، بل باعتباره ورشاً يتقاطع مع قضايا التنمية والابتكار والتنافسية وتأهيل الرأسمال البشري. كما شكلت هذه التظاهرة مناسبة لاستعراض ملامح التوجهات التي تراهن عليها المملكة لمواكبة التحولات الرقمية المتسارعة، في ظل تنامي أهمية الذكاء الاصطناعي في إعادة تشكيل الاقتصادات وأنماط الإنتاج والخدمات على المستوى العالمي.