أصدرت رئاسة النيابة العامة دورية جديدة هذا الأسبوع، موجهة إلى الوكلاء العامين لدى محاكم الاستئناف التجارية، ووكلاء الملك لدى المحاكم الابتدائية التجارية، دعتهم فيها إلى التفعيل الإيجابي والناجع لأحكام القانون رقم 73.17 المتعلق بمساطر صعوبات المقاولة، والذي نسخ وعوّض الكتاب الخامس من مدونة التجارة.
وأكدت الدورية، التي اطلع "تيلكيل عربي" على نسخة منها، أن حسن تفعيل هذا القانون يشكل ركيزة أساسية لتحقيق الأمن القانوني والاقتصادي للفاعلين، من خلال ضمان استمرارية المقاولات داخل النسيج الاقتصادي الوطني، وتسوية وضعيتها القانونية والمالية، والحفاظ على مناصب الشغل، وصيانة حقوق الدائنين، بما يسهم في تهيئة بيئة ملائمة للاستثمار وتعزيز التأهيل الاقتصادي وتحسين مناخ الأعمال.
وانطلاقا من الدور المحوري المنوط بالنيابة العامة بصفتها طرفا رئيسيا في حماية النظام العام الاقتصادي، شدّدت الدورية على أن القانون رقم 73.17 خوّل لها مجموعة من الصلاحيات القانونية الهامة؛ من بينها: حق طلب فتح مسطرة التسوية أو التصفية القضائية للمقاولات المتوقفة عن الدفع، وفقا للمادتين 578 و651 من مدونة التجارة، إلى جانب طلب تمديد المسطرة القضائية، وتطبيق العقوبات المدنية، وسقوط الأهلية التجارية، استنادا للمادة 585 والمواد من 738 إلى 753. كما ذكّرت بحق النيابة العامة في ممارسة الطعون أمام محكمتي الاستئناف والنقض، بموجب المادتين 762 و766 من نفس المدونة.
ورغم ما وصفته الدورية بـ"النتائج المشجعة" التي تحققت منذ دخول هذا القانون حيز التنفيذ سنة 2018، إلا أنها سجّلت استمرار بعض مظاهر القصور في تفاعل عدد من النيابات العامة مع مقتضياته، وعدم التقيد الكافي بتوجيهات سابقة صادرة عن المؤسسة، خاصة الدورية عدد 24/2018، بتاريخ 24 ماي 2018، والدورية عدد 4/2020، بتاريخ 24 يناير 2020، واللتين دعتا إلى العناية الخاصة بدور النيابة العامة في حماية النظام العام الاقتصادي.
وبحسب ما ورد في دورية 23 يونيو 2025، فإن أوجه هذا التعثر تتجلى في ضعف المبادرات إلى تقديم طلبات فتح المساطر القانونية رغم توافر الشروط، وغياب بعض النيابات العامة عن حضور الجلسات المخصصة لقضايا صعوبات المقاولة، على الرغم من كونها طرفا رئيسيا في هذه القضايا بمقتضى الاختصاصات المخولة لها قانونا، بما في ذلك الطعن في المقررات القضائية حتى في الحالات التي لا تكون فيها مقدّمة لطلب فتح المسطرة.
كما سجّلت الدورية استمرار الاعتماد على نماذج نمطية في ملتمسات النيابة العامة دون مراعاة خصوصية كل ملف، إضافة إلى عدم ممارسة الطعون في عدد من القضايا التي تستدعي تدخلا قضائيا فعالا لحماية النظام العام الاقتصادي، وهو ما اعتبرته رئاسة النيابة العامة "مسّا بجوهر الدور" الذي خُوّل للنيابة العامة بموجب القانون.
ولتدارك هذه الاختلالات، دعت رئاسة النيابة العامة، في دوريتها الجديدة، إلى التقيد الصارم بجملة من التوجيهات، شملت ضرورة الحرص على الحضور المنتظم والفاعل في جلسات قضايا معالجة صعوبات المقاولة، مع تقديم ملتمسات واضحة تهدف إلى اتخاذ الإجراءات المناسبة لتسوية وضعية المقاولة وأداء ديونها، مؤكدة على الالتزام بأحكام الدوريتين الصادرتين سنتي 2018 و2020، وتفعيل مقتضياتهما القانونية في معالجة الملفات.
كما شددت على أهمية تتبع وضعية المقاولات المتعثرة، وتقديم طلبات قضائية مناسبة لمعالجة الصعوبات التي تهدد استمرارية استغلالها، مع ضرورة تجهيز الملفات بشكل قبلي قبل عرضها على الجلسات، ضمانا لفعالية التدخل، داعية إلى تقديم طلبات بتمديد المسطرة القضائية عند الاقتضاء، وطلب تطبيق العقوبات المدنية وسقوط الأهلية التجارية في مواجهة المسيرين المخالفين، إضافة إلى إعداد تقارير مفصلة بشأن الأفعال التي من شأنها أن تُشكّل جرائم التفالس أو باقي الجرائم المنصوص عليها في المواد من 754 إلى 760 من الكتاب الخامس، مع إحالتها على النيابة العامة المختصة لاتخاذ الإجراءات القانونية الملائمة.
وتضمنت التوجيهات أيضا دعوة واضحة إلى مراقبة أداء السنديك طيلة فترة المسطرة، والتدخل لطلب استبداله أمام المحكمة عند ارتكابه إخلالات تستدعي ذلك، استنادا إلى المادة 677 من مدونة التجارة. كما أكدت الدورية ضرورة تفعيل الصلاحيات القانونية للطعن بالاستئناف في المقررات المتعلقة بتعيين أو استبدال السنديك، أو تعديل سلطاته، أو تجديد أجل إعداد تقرير الموازنة المالية والاقتصادية والاجتماعية للمقاولة، وفق ما تنص عليه المادة 762، بالإضافة إلى ضرورة تتبع ودراسة المقررات القضائية الصادرة في قضايا صعوبات المقاولة، واتخاذ قرار الطعن كلما توافرت الشروط القانونية لذلك.
وفي ختام الدورية، شددت رئاسة النيابة العامة على أن تنفيذ هذه التوجيهات يندرج في إطار رفع النجاعة القضائية في حماية الأمن الاقتصادي الوطني، داعية الوكلاء العامين ووكلاء الملك إلى الالتزام الصارم بمضامينها، وموافاتها بنتائج التطبيق العملي، مع إشعارها بأي صعوبات ميدانية محتملة، واقتراح الحلول المناسبة لتجاوزها، ضمانا لحسن تنزيل القانون رقم 73.17، وتجويد تدخل النيابة العامة في قضايا صعوبات المقاولة.