أكد المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي أن مشروع القانون المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي والابتكار "لم يجسد بشكل مستوف، توجهات السياسة العمومية المتعلقة بالتعليم العالي واختياراتها الكبرى"، معتبرا أن "أي نقص في التنصيص على رؤية واضحة ومعلنة، عائق منهجي أمام قراءة وتحليل مشروع القانون لإبداء الرأي في شأنه".
وأبرز المجلس، في رأيه حول مشروع القانون، أن النص المعروض "قد يشكل عرضة لتأويلات متضاربة، قد تفقده انسجامه، وتحد من قوته ومن قدرته على إحداث الأثر المرجو منه"، مشيرا إلى أن المقاربة المعتمدة "تكتفي بإعادة صياغة القانون الجاري به العمل، مع بعض التغييرات التي تتخلله"، دون إحداث "تحول نوعي في هندسة المنظومة ومخرجاتها".
وسجل المجلس أن مشروع القانون "لم يشمل بعض المهام التي يمكن أن يضطلع بها هذا التعليم، والتي تعتبر من صميم وظيفته"، لافتا إلى أن من بينها "تطوير مهارات الطلبة وتنمية قدراتهم، وتنمية شخصيتهم، وتمكينهم من الكفايات اللازمة من أجل ضمان انفتاحهم وتوازنهم الشخصي"، إضافة إلى "نشر المعرفة العلمية والتقنية والتكنولوجية، ووضعها رهن إشارة العموم بكل الوسائل المتاحة"، و"الإسهام في تأطير الأنشطة العلمية والفكرية، وتنشيط الحياة الثقافية"، و"الاستجابة لحاجيات الإدارة والاقتصاد الوطني والمقاولة، من الكفاءات المؤهلة والمتخصصة في إطار تعاقدات محددة".
وبخصوص الفلسفة العامة لمشروع القانون، سجل المجلس أن هذا الأخير "نحى في بنائه العام، منحى التشريع لمواجهة واقع راهن، والحال أنه كان من المفروض أن يؤسس لإرساء رؤية استشرافية بعيدة المدى".
أما من حيث الهيكلة، فاعتبر المجلس أن "الهيكلة المعتمدة في تقسيم المشروع إلى أجزاء غير ملائمة، ولا تتماشى مع القواعد المتعارف عليها في الصياغة التشريعية"، مشيرا إلى أن بعض الأجزاء "تجمع أحيانا بين مواضيع مختلفة لا تربطها وحدة موضوعية، كما هو الشأن في الجزء الرابع الذي يتناول التنظيم البيداغوجي، وفي ذات الوقت يعالج موضوع الموارد البشرية، وكذلك موضوع الطلبة، وموضوع الدعم الاجتماعي".
وفي ما يتعلق بالحكامة، انتقد المجلس تخصيص المشروع "فصلا مكونا من 25 مادة لحكامة الجامعات العمومية والمؤسسات التابعة لها"، مقابل "فصل واحد يضم مادة فريدة لحكامة مؤسسات التعليم العالي غير التابعة للجامعات"، معتبرا أن هذا التفاوت "أسفر عن محدودية الدقة والوضوح في هذا الجانب، وترك عددا من الاستفهامات مطروحة".
وسجل المجلس أيضا أن المشروع يتضمن "إحالات متكررة على نصوص تنظيمية في قضايا أساسية، كان من الأجدر أن يحسم فيها المشروع نفسه ضمن مقتضياته"، مؤكدا أن "من شأن هذا النقص أن يثير واقعا مشوبا بالارتباك في التطبيقات القادمة، وبالنتيجة، إضعاف الالتقائية المنشودة بين السياسات العمومية".
أما بشأن العلاقة بين التعليم العالي العام والخاص، فلاحظ المجلس أن "غياب تصور محكم في هذا الشأن، يؤطر بنص تشريعي، يكسبه المشروعية، ويضمن له فرص التطبيق في الواقع، قد يستعصي تحقيق التكامل بين مكونات المنظومة، ويستشري التنافس غير المتكافئ، وتتعمق اللامساواة والفوارق، وتضيع الأهداف الكبرى للإصلاح".
من جانب آخر، أوصى المجلس بـ"مراجعة مشروع القانون مراجعة عميقة وهيكلية، بالقدر الذي يعطي ضمانة تشريعية تؤمِّن منظومة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار من أي استمرار للعوائق القائمة، ومن أي هدر آخر لزمن إصلاحها".
وشدد على ضرورة "إعداد مخطط مديري وطني توجيهي، ومخططات جهوية متفرعة عنه، تسمح بمواكبة تطور التعليم العالي، مع التأكيد على واجب الدولة في ضمان حق الجميع في تعليم عال، ذي جودة".
ودعا إلى "إعادة هيكلة التعليم العالي من خلال تجميع مختلف مكوناته لما بعد البكالوريا، بما في ذلك الأقسام التحضيرية للمدارس العليا، وفق مخطط وطني متعدد السنوات متشاور بشأنه، يتضمن خارطة وطنية استشرافية للتعليم العالي"، مؤكدا أن هذا المخطط "ينبغي أن يقدم أجوبة ملائمة، وحلولا مبتكرة للإشكاليات الهيكلية".
كما أوصى بـ"تحديد سقف زمني ملزم لإصدار النصوص التنظيمية الواردة في مشروع القانون، مع الاتجاه نحو الحسم في القضايا الأساسية بواسطة القانون نفسه".
وفي ما يتعلق باستقلالية الجامعة، دعا المجلس إلى "اعتبار استقلالية الجامعة، وعلى الخصوص الجامعة العمومية، على المستويات البيداغوجية والعلمية، والإدارية، خيارا استراتيجيا أساسيا تدعمه الدولة لضمان جودة التعليم العالي، وتعزيز دينامية البحث والابتكار.
وشدد على أهمية "الإدماج الديناميكي للجامعة في مشروع مجتمعي متجدد، تكون فيه الفضاء الأمثل لاستكمال تكوين جيل من الشباب المفكر؛ المواطن؛ المسؤول؛ المبدع؛ المبتكر، الذي يعبئ قدراته ومؤهلاته في حياته الشخصية، والاجتماعية، والمهنية على السواء".
وأكد في هذا السياق على "وجوب إقرار التدابير والآليات، التي من شأنها ضمان الإنصاف وتكافؤ الفرص في منظومة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، بما يجسد فعلا مركزية الطالب في هذه المنظومة"، مقترحا من بين تلك الآليات "التمييز الإيجابي لفائدة الطلبة الموجودين في وضعيات خاصة أو صعبة، وضمان ولوجية الأشخاص في وضعية إعاقة لفضاءات التكوين والبحث".