روبورطاج: دوار البيايضة يحتضر عطشا.. المقبرة صارت موردا للماء

خديجة عليموسى

في دوار البيايضة، الواقع ضمن جماعة بني يخلوق بإقليم سطات، لا يختلف الليل كثيرا عن النهار،  ففي كليهما يعيش السكان على وقع عطش دائم، ويستفيقون على انقطاع متكرر للماء.

  ينام الآباء وهم يخططون لتدبير الماء، وتستيقظ الأمهات على شظف العيش ومرارته، هكذا وصف بعض سكان المنطقة حالهم في تصريحات متطابقة لموقع "تيلكيل عربي".

تقول نجاة كريم "تقهرنا بالعطش والحرارة، شهر ونصف والدوار ما فيهش الماء"،  كلمات موجعة، أقوى من أن تعاد صياغتها، وأقسى من أن تهمل.

 تحكي هذه السيدة كيف أن دوارها محروم من الماء الصالح للشرب، فهي ترى الصنبور كل يوم لكنه جاف، وكيف أن كل واحد يدبر أمره بما استطاع، الماء قليل جدا، والدوار بأكمله يعيش المعاناة نفسها.

في صوتها خيبة أمل ممزوجة بالإرهاق وتعب لا تخفيه الكلمات، تتابع مستحضرة تفاصيل يومها "نلجأ إلى طلب الماء من الجيران الذين يتوفرون على آبار، أحيانا يقدمون وأحيانا يعتذرون، وفي بعض الحالات نلجأ إلى المقبرة لوجود سقاية بها".

وتروي كيف اضطرت ابنتها إلى مغادرة الدوار نحو مدينة الدار البيضاء للإقامة عند العائلة، هربا من مشقة جلب الماء اليومي، تاركة وراءها واقعا عطشا لم يجد له حلا.

أما فاطمة، وهي سيدة أخرى من الدوار، فتحكي  بمرارة أنها تعجز أحيانا حتى عن توفير "سطل" ماء للاستحمام، هذا الوعاء البسيط، كما تصفه، لم يعد مجرد أداة، بل تحول إلى رمز لمعركة الكرامة في وجه العطش، ودليل على انسداد الأفق أمام الحق في الحياة الكريمة.

قطرات آخر الليل

محمد زوال، أحد سكان دوار البيايضة، يصف الوضع بالمأساوي والممتد منذ ست سنوات، حيث أصبحت ندرة الماء واقعا يوميا لا مفر منه، في ظل غياب تدخلات حقيقية تضمن للسكان حقهم في التزود بماء صالح للشرب.

وقال زوال، في تصريح لـ"تيلكيل عربي"، إن "العديد من الأسر تقضي أسابيع دون أن ترى نقطة ماء داخل الصنبور"، مشيرا إلى أن "الضخ، حين يحدث، يكون في ساعات متأخرة من الليل، وغالبا لا يدوم أكثر من ساعة، وهي فترة قصيرة بالكاد تتيح جمع ما يكفي من المياه لقضاء الحاجيات الضرورية".

وأضاف أن "السكان يضطرون إلى السهر لمنتصف الليل أو ما بعده، في انتظار لحظة وصول الماء، حتى يتمكنوا من ملء القنينات والبراميل"، مشددا على أن "هذا الجهد الليلي أصبح عادة مرهقة تثقل كاهل الأسر، في غياب حل جذري ودائم".

وتابع مفسرا "نضطر إلى توزيع كمية محدودة من الماء بين الشرب والطبخ والنظافة، ونعيش في قلق دائم من نفاده قبل عودة الإمداد، الذي غالبا لا يأتي".

وأكد أن الوضع ازداد تعقيدا خلال السنتين الأخيرتين، بسبب تراجع منسوب الآبار وازدياد الطلب، في مقابل استفادة مشاريع معينة من كميات كبيرة من الماء تفوق بكثير ما يخصص للسكان. وقال في هذا السياق "في الوقت الذي نبحث فيه عن دلو ماء، هناك من تضخ له أطنان يوميا".

ولم يخف زوال استياءه من استمرار هذا الوضع الذي تعكسه الفواتير المتوصل بها، والتي لا تتعدى في معظمها 10 أو 15 درهما، مبرزا أن البراميل، أو ما كما يسمونها "السيتيرنات"، التي توفرها الجماعة لا يستفيد منها الجميع، بل بعض الأفراد فقط".

واختتم حديثه بمناشدة صريحة "نحن لا نطلب المستحيل، فقط نريد ماء يخرج من الصنبور، وحياة لا تقوم على البحث اليومي عن نقطة ماء".

المقبرة موردا للحياة

"في هذا المكان، العطش ليس مجرد حالة ظرفية، بل قدر يومي يتكرر"، يقول كريم رحال، شاب من أبناء الدوار. بكلمات قليلة، يختصر مسارا شاقا من الانكسار والانتظار.

ويضيف رحال أن الجماعة تستقدم براميل مياه مرة واحدة في الأسبوع، لكنها لا تكفي حاجيات السكان، قائلا "الجميع يعاني هنا،  نلجأ إلى الجيران لطلب الماء من الآبار، لكن بعض الآبار جفت، حوالي شهر ونصف ونحن على هذا الحال."

ويتابع بنبرة حزينة "هذا الواقع دفع البعض للتفكير في مغادرة الدوار، فهنا أصبح الحصول على الماء معركة يومية، والكرامة تطلب على الأبواب".

في دوار البيايضة، لم تعد المقبرة مكانا للموتى فحسب، بل تحولت إلى مورد للماء أيضا،  يؤخذ الماء من سقايتها، وكأن الناس يتوسلون من الموتى بقايا الحياة.

شكاية إلى عامل الإقليم

في ظل هذا الواقع المتأزم، وجه عدد من سكان دوار البيايضة شكاية جماعية إلى عامل إقليم سطات، بتاريخ 16 يونيو 2025، عبروا فيها عن معاناتهم اليومية من الانقطاعات المتكررة والمستمرة للماء الصالح للشرب، حيث إنه انقطع مؤخرا لمدة تزيد عن شهرين بشكل دائم وانقطاع تام.

وأكد السكان، في شكايتهم، أنهم طرقوا أبواب المسؤولين مرات عديدة، وتواصلوا مع مدير الوكالة التجارية للماء الصالح للشرب، دون جدوى، مشيرين إلى أن بعضهم يضطر إلى جلب الماء من مسافات بعيدة، لدرجة أنهم في بعض الأحيان لا يعثرون على أي  بئر لجلب الماء الشروب.

وطالب السكان من خلال الشكاية بتدخل العامل لدى الجهات المعنية، حتى يتمكنوا من الاستفادة من هذه المادة الحيوية أسوة بباقي .

العدالة المجالية في عطلة

 

ومن جهته، أكد عبد الرزاق الناجح، رئيس جماعة بني يخلوق، أن أصل المشكل يعود إلى القناة الرئيسية "تنفالت"، التي تنقل الماء الصالح للشرب من منطقة القراقرة، والتي تبعد عن الجماعة بحوالي 40 كيلومترا.

وأوضح رئيس الجماعة، في تصريح لموقع "تيلكيل عربي"، أن هذه القناة متهالكة ولم تخضع لأي إصلاح منذ بنائها سنة 1997، مضيفا أنها كانت، حسب تعبيره، "مغشوشة" منذ البداية.

وأضاف أن الجماعة قامت منذ أربع سنوات بتجربة الربط الفردي، شملت حوالي 3600 عداد منزلي، لكنها لم تكن كافية لحل الأزمة.

وأشار إلى أن وزارة الداخلية تشرف على تزويد الدواوير بالماء من خلال "السيتيرنات"، مؤكدا في الوقت ذاته أن المسؤولية في ما يخص القناة الرئيسية تقع على عاتق المكتب الوطني للماء الصالح للشرب، الذي كان قد أنجزها في الأصل.

وذكر الناجح أنه بصدد متابعة الملف مع الشركة الجهوية متعددة الخدمات الدار البيضاء ـ سطات، التي أوكلت إليها حاليا مهمة تدبير القطاع، في محاولة لإيجاد حل دائم للمشكل.

من جانبها، حاولت "تيلكيل عربي" التواصل مع الشركة المعنية للحصول على توضيحات بشأن الخطوات المرتقبة، إلا أن قسم التواصل لم يرد على المكالمات المتكررة، رغم إجرائها في أوقات مختلفة، وحدها المكلفة باستقبال المكالمات حاولت الربط مع من يمكن أن يقدم أجوبة، لكن دون جدوى.

وفي ظل غياب التواصل، تظل جماعة بني يخلوق، بدواويرها، عالقة في أزمة عطش مستمرة، حيث تغيب مفاهيم العدالة المجالية أو المرفق العمومي، كل ما يملكه السكان هو صوت مبحوح يطالب بقطرة ماء، وتسول يومي من الجيران، إنها رحلة عطش في دوار نسي على هامش السياسات العمومية.