من طنجة.. الطاهر لبيب: المؤثرون تجسيد لمرض ثقافي والسلطة متواطئة مع التفاهة

محمد فرنان

في نقد مباشر وحاد، شخص عالم الاجتماع التونسي، الطاهر لبيب، ظاهرة "المؤثرين" كواحدة من أبرز تجليات "ثقافة اللامعنى" التي تهيمن على العصر الحالي.

جاء ذلك خلال محاضرته الفكرية في مهرجان "ثويزا" بطنجة، عشية أمس، حيث اعتبر هذه الظاهرة دليلا على تآكل المعنى في الفضاء العام، واصفا المؤثرين بـ"فئة جديدة" تستمد تأثيرها من المظاهر السطحية بدلا من القيمة الفكرية.

قبل الخوض في تحليل ظاهرة المؤثرين، وضع لبيب إطارا أوسع لتشخيصه، معتبرا أن العالم العربي لم يعد يعيش مجرد "أزمة"، بل دخل في طور "العبثية" الفلسفية، وهي حالة من الغربة عن الزمان والمكان شبهها بمسرحية "في انتظار غودو".

هذه العبثية، بحسبه، هي التي أنتجت ما أسماه "ثقافة اللامعنى"، وهي ليست غيابا للمعنى، بل ثقافة قائمة بذاتها "تعيد تدوير الحس المشترك الخام لتسطيح الفكر والفعل والعلاقات".

وفي هذا السياق، يأتي صعود المؤثرين كأحد الأعراض الأكثر وضوحا لهذا المرض الثقافي.

طرح لبيب سؤالا استنكاريا حول هوية هذه الفئة الجديدة، وقال بلهجة مباشرة: "اليوم توجد فئة جديدة، هم المؤثرون، من هم هؤلاء؟ انظروا إلى قائمتهم، ستجدون أن أفضلهم أمي تماما ولا علاقة له بشيء".

وبحسب لبيب، فإن آلية اكتساب التأثير في هذا العصر لم تعد مرتبطة بالمعرفة أو العمق، بل بالمظهر الخارجي، وأوضح أن الشخص يصبح مؤثرا اليوم "لأنه يرتدي ملابس بطريقة معينة، أو له تسريحة شعر معينة، وحين ينال إعجابهم، يصبح مؤثرا".

لإبراز حجم التحول وقوة الانحدار في مفهوم "التأثير"، عقد لبيب مقارنة صادمة بين مؤثر اليوم والقامة الفكرية التي كانت تشكل الوعي في الماضي، موضحا أن "التأثير لديه ليس كتأثير طه حسين أو كانط أو هيجل.، التأثير الآن في هذه الثقافة، هو تأثير أناس لا علاقة لهم بالثقافة",

بهذه المقارنة، وضع لبيب يده على ما اعتبره قطيعة معرفية، حيث انفصل التأثير الجماهيري عن مرجعيته الثقافية.

لم يعزل لبيب ظاهرة "المؤثرين"، بل وضعها في سياقها الأوسع، وهو ما أسماه "ثقافة التفاهة" التي تشجع على السطحية وتكافئها.

واعتبر أن المجتمع الذي يمنح الملايين لمن يعرف اسم "كلب ممثلة في أمريكا"، هو نفسه المجتمع الذي يمنح الشهرة والتأثير لمن لا يملك سوى المظهر.

وأبرز أن شعار "كن سخيفا لتربح" الذي شخص به بعض الظواهر الإعلامية، هو ذاته المنطق الذي يحكم صعود "المؤثرين"، الذين يصبحون بذلك النتيجة الطبيعية لثقافة تحتفي باللامعنى وتهمش القيمة الحقيقية، وهكذا، لم يعد صعودهم مجرد ظاهرة، بل هو عرض لمرض ثقافي أعمق.

السلطة و"إفساد المعنى"

في جزء محوري من تحليله، انتقل المفكر الطاهر لبيب من التشخيص الثقافي لظاهرة "اللامعنى" إلى بعدها السياسي، كاشفا عن علاقة معقدة بين السلطة وتفشي هذه الثقافة في المجتمع.

وفق ما أورده لبيب، فإن انتشارها ليس ظاهرة عفوية أو بريئة، بل إن السلطات السياسية على علم تام بها، بل وقد تكون متواطئة معها، وأكد أن السلطة، أو السلط كلها، لا يمكن أن لا تكون على علم بتفشي اللامعنى، هناك إذا في النهاية تواطؤ سياسي على المعنى".

هذا التواطؤ، كما يرى، ينبع من قاعدة أساسية تحكم هذه العلاقة، وهي أطروحته التي لخصها في قوله: "لأن من لا يسيطر بإنتاج المعنى، يسيطر بإفساده".

وفصل أنه "إذا لم تستطع أن تسيطر أو أن تقنع بما له معنى، فما عليك إلا أن تفسد هذا المعنى، فالسلطة التي تفتقر إلى المشاريع الكبرى أو الشرعية الفكرية، تجد في إشاعة الفوضى في المعاني والتفاهة، وسيلة بديلة للسيطرة على مجتمع غير قادر على التفكير النقدي".

ولم يكتف لبيب بالتفسير الشائع القائل بأن الهدف هو مجرد "إلهاء الناس عن همومهم الحقيقية"، بل اعتبر أن الأمر أعمق من ذلك.

برأيه، إن "ثقافة اللامعنى هذه هي ثقافة أيضا يمكن للسلطة أن تستعملها في شعبويتها، خاصة السلطات ذات التوجه الشعبوي"، فهي تأخذ من هذا "الزاد الموجود باسم أنه شعبي (بين ظفرين)، تأخذه وتعيد تدويره وتسيطر به".

الفراغ الفكري وبيئة المرض

وأفاد الطاهر لبيب، هذا المرض الثقافي ينمو ويزدهر أيضا في ظل "الفراغ" الذي خلفه تراجع دور المثقفين الحقيقيين أصحاب المشاريع الفكرية الكبرى، وهو الفراغ الذي استغله المؤثرون ليقدموا أنفسهم كبديل للمعنى الغائب.

وبهذا التحليل، يخلص لبيب إلى أن التركيز على نقد المؤثرين كأفراد هو خطأ في التشخيص، فالمعركة الحقيقية يجب أن تكون ضد "المرض" نفسه؛ أي ضد ثقافة التفاهة التي جعلت من السطحية قيمة، ومن اللامعنى وسيلة للتواصل، ومن المؤثر نجما.