عاشت أجيال السبعينيات والثمانينيات وبداية التسعينيات أيضا، على سماع تردد لازمة كان يرتفع صداها بقوة، كلما تقدم المغرب بملف ترشيح استضافة كأس العالم.
ما هي؟
"نهضة إسبانيا الاقتصادية والاجتماعية كانت بسبب تنظيم كأس العالم 1982".
هذا ما نشأنا عليه، والأكيد أن الملايين من المغاربة الذين تكررت على مسامعهم هذه اللازمة، يرون في تنظيم المغرب لـ"مونديال 2030" فرصة مشابهة لما عاشته جارته الشمالية... هذا هو الأمل على الأقل، أما الواقع فتلك حكايات أخرى، مرتبطة بسياقات متعددة ومعقدة، تختلف وفق ما كان متاحا في الماضي، وما هو متوفر اليوم بالنظر لظروف الحاضر.
اللازمة، لا يمكن التقليل من شأنها ولا وقعها، خاصة إذا ما نظرنا إلى المحتوى الذي تبثه منصات الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا"، بعدما عادت إسبانيا لاستضافة العرس الكروي العالمي، رفقة البرتغال والمغرب.
ومما جاء في آخر ما نشره الاتحاد على منصاته:
"يُذكر أن إسبانيا سبق أن استضافت بطولة كأس العالم FIFA 1982 والتي تركت أثراً ملموساً على البلاد". وقالت عن ذلك ماريا دي لوس أنخيليس تشافيس، رئيسة اللجنة الإدارية للاتحاد الملكي الإسباني لكرة القدم: "لا تزال تحضرنا ذكريات طيبة من التميمة نارانخيتو من كأس العالم (FIFA)... والتي كانت بطولة حققنا بفضلها قفزة كبيرة في تحديث بلدنا، الذي كان يمضي في طريقه نحو الديمقراطية".
حسب هذا التصريح، يؤمن الإسبان، بدورهم، بأن تنظيم "المونديال" خلال تلك الحقبة، ترك الأثر المنتظر على بلادهم، دون إسقاط أنه لم يتم تقديم تفاصيل حول كيفية تنزيل مشاريع القفزة، التي وصفتها المسؤولة الإسبانية بأنها كانت "كبيرة".
ما يهمنا من كل ما سبق، هو طرح سؤال: هل يمس المغرب وشعبه ما مس إسبانيا ومواطنيها؟
الجواب صعب، لأن بداية الثمانينيات تختلف عن تغول واقع ما توصف بالألفية الثالثة على كافة المستويات.
أضف إلى ذلك المقارنة المستحيلة وليس الصعبة فقط، بين دولة تنتمي إلى نطاق جغرافي أساسه التكامل، وكانت ضمن دينامية قرب تأسيس اتحاد قوي، وبين المغرب الذي يواجه كل معضلات التفكك الإقليمي، دون إسقاط استمرار الاختلالات البنوية داخل المملكة، تجاه الاستثمار في البشر والحجر معا، وهنا صلب معضلة اكتمال معادلة إمكانية تحقيق التنمية بكل تمثلاتها وتجلياتها.
المغاربة اليوم يطرحون سؤالا واحدا، وهو:
من سيؤدي كلفة تنظيم كأس العالم 2030؟
سؤال مشروع، بالنظر إلى ما تركه التنظيم من مخلفات في التجارب السابقة، خاصة في البرازيل وجنوب إفريقيا. لن نذكر هنا تجارب التنظيم خلال العشرين سنة الماضية، في كل من ألمانيا وروسيا ويمكن ضم قطر أيضا... ليس بغرض القفز عليها، بل لأن الدول المعنية، اكتفت بشرف التنظيم وليس صرف الأموال أو الاقتراض المفرط لأجل ذلك...
ألمانيا وروسيا كانتا مهيأتين لاستضافة أكثر من نسخة متتالية، حيث تملكان كل مقومات الربح من التنظيم وليس العكس... أما قطر، فيمكن القول بالدارجة المغربية: "كلشي عندها رباح... مهما حرقت من أموال..."
لنعد إلى السؤال الذي يطرحه جل المغاربة.
شكون غادي يخلص تنظيم "المونديال"؟
قبل الإجابة مرة أخرى، لا يمكن أن نغفل الانعاكاسات الإيجابية التي سوف تنتجها المسيرة نحو التنظيم، خاصة على البنى التحتية.
لكن، كل هذه المشاريع تبقى مرتبطة بالتفكير في اللحظة وليس الاستمرارية في تحقيق المكاسب. ومرتبطة أيضا بالحاجة الدائمة لعنصرين أساسيين من خارج المغرب.
الأول يتمثل في توفير السيولة المالية الكافية لتنفيذ كل الأوراش المفتوحة، وهنا، للأسف، لا خيار أمام الدولة غير الاستدانة من الخارج والداخل، بالإضافة إلى توسيع دائرة عائدات الوعاء الضريبي التي سوف تستهدف المواطن بالدرجة الأولى.
والثاني، مطاردة الاستعانة بالخبرات الأجنبية التي ستكلف، بدورها، خزينة الدولة الشيء الكثير بالعملة الصعبة، لأن الاستثمار في البشر بالمغرب، عبر التعليم وبرامج البحث العلمي، يكاد يلامس الصفر.
حين نظمت إسبانيا كأس العالم 1982، لم يكن العالم كما هو اليوم، آخر ما يمكن ذكره، أنه لم يكن للذكاء الاصطناعي وجود... وهنا، يكفي أن نذكر بأننا لحدود اليوم، بمواردنا التقنية والبشرية الذاتية، فاشلون حتى في تدبير بيع تذاكر ولوج الملاعب وتنظيم ذلك.
في خضم ما ذكر هنا، إلى جانب أمور أخرى سوف نعالجها مستقبلا، برزت من العدم "مؤسسة المغرب 2030"... التي أعتقد أنها طوق نجاة، إن تم تنزيل ما وجدت لأجله دون حسابات وخلفيات الغنائم التي تسيطر على ذهنية المسؤول المغربي.
هذه المؤسسة، صادق على إنشائها مجلس الحكومة، يوم الخميس 10 يوليوز، بعد تمرير مشروع القانون رقم 35.25 الذي يتعلق بإحداث "مؤسسة المغرب 2030"، الذي قدمه الوزير المنتدب لدى وزيرة الاقتصاد والمالية المكلف بالميزانية، فوزي لقجع، رئيس الجامعة الملكية لكرة القدم، ومن يقود هذا الورش الوطني، وأكيد من وضعت بين يديه كل السلط ليكون أول من سوف يحاسب أمام القصر الملكي والمواطن في المستقبل.
"مؤسسة المغرب 2030"، تم إحداثها بصفتها ذات نفع عام لا تسعى لتحقيق الربح، تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي، ومقرها بالرباط.
يترأسها رئيس لجنة كأس العالم 2030، ونص القانون على أن تدبيرها يتم عبر مدير عام لها.
المؤسسة سوف تتكون من مجلس تنفيذي وآخر استشاري، إضافة إلى لجنة للتدبير الترابي يترأسها وزير الداخلية.
وجبت الإشارة إلى أن المؤسسة حظيت بتزكية البرلمان، أغلبية ومعارضة، دون أي اعتراض أو امتناع ولا حتى تنبيه.
مهمتها تنزيل الرؤية الملكية على الطريق نحو تنظيم كأس العالم، دون إغفال أن المغرب لا يحتاج للملاعب ومن يملأ مدرجاتها فقط، وحتى الطرق والسكك التي توصل إليها.
وليفهم من يهمهم الأمر ما نحتاجه، نذكرهم بما ورد في خطاب العرش: "شعبي العزيز، تعرف جيدا أنني لن أكون راضيا، مهما بلغ مستوى التنمية الاقتصادية والبنيات التحتية، إذا لم تساهم، بشكل ملموس، في تحسين ظروف عيش المواطنين، من كل الفئات الاجتماعية، وفي جميع المناطق والجهات. لذا، ما فتئنا نولي أهمية خاصة للنهوض بالتنمية البشرية، وتعميم الحماية الاجتماعية، وتقديم الدعم المباشر للأسر التي تستحقه".
وبعد حديث الملك عن نتائج الإحصاء العام للسكان 2024، بخصوص التحولات الديمغرافية والاجتماعية والمجالية، التي ينبغي أخذها بعين الاعتبار، في إعداد وتنفيذ السياسات العمومية.
شدد على أنه "مع الأسف، ما تزال هناك بعض المناطق، لاسيما بالعالم القروي، تعاني من مظاهر الفقر والهشاشة، بسبب النقص في البنيات التحتية والمرافق الأساسية. وهو ما لا يتماشى مع تصورنا لمغرب اليوم، ولا مع جهودنا في سبيل تعزيز التنمية الاجتماعية، وتحقيق العدالة المجالية".
وختم الملك المحور من خطاب العرش بالقول: "فلا مكان اليوم ولا غدا، لمغرب يسير بسرعتين".
هنا، يجب أن نطرح تساؤلات مهمة، قبل الوصول للخلاصة الأهم.
هل سيكون دور المؤسسة التنسيق بين المؤسسات وتوجيه صرف الأموال فقط؟
ما الآلية التي سوف تفرض عليها المحاسبة والتقييم إن كان هناك تقصير في أداء المسؤولين عنها؟
كيف سيتم تدبير فصل السلط بينها وبين مؤسسات القطاعات المعنية بكل الأوراش المرتبطة بتنظيم "المونديال"؟
ما الأسس الدستورية والقانونية التي سوف تمنحها سلطات الفصل في إدارة ومواكبة وتنفيذ المشاريع؟
أخيرا، بخصوص التساؤلات، كيف ومن أين ستستمد الموارد البشرية والمالية؟
والخلاصة الأهم، هل لنا الحق في القول، إن إنشاء "مؤسسة المغرب 2030"، وقبل نتائج الانتخابات التشريعية 2026، اختيار مسبق لما يوصف بـ"حكومة المونديال"!