الروائي صموئيل شمعون في طنجة.. آلة كاتبة أنقذت حياته وحب انتصر على هوليوود

محمد فرنان

في أمسية استثنائية طبعتها الصراحة والعمق الإنساني، قدّم الروائي العراقي صموئيل شمعون، شهادة حياة استثنائية تشبه في تفاصيلها أغرب الروايات، فمن خلال حوار غير تقليدي أداره الكاتب مخلص الصغير، كشف شمعون عن رحلة طويلة من المعاناة والأحلام، بدأت في مدينة الحبانية بالعراق وانتهت به كأحد أبرز الأصوات الأدبية العربية في لندن.

بندوة "التجارب الأدبية الجديدة"، ضمن فعاليات مهرجان "ثويزا"، الأحد المنصرم، وضع مخلص الصغير رواية شمعون الشهيرة "عراقي في باريس" في مصاف الأعمال الأدبية العالمية، قائلا إنها "تضارع رائعة هنري ميلر مدار السرطان، وعوالم جورج أورويل في متشرد في باريس ولندن، كما أنها لا تبتعد عن روح شخصية جان فالجان عند فيكتور هيجو".

اسم كـ"لعنة" وأب بلا صوت

بدأ شمعون حديثه من اسمه "صموئيل"، الذي قال إنه "جر عليه الكثير من الويلات" في رحلة المنفى.

يروي بابتسامة حزينة قصة حدثت له على متن قطار حين خاطبه شاب أمريكي قائلا: "يا أخي أنتم العرب كم رائعون، أنتم عرب مسلمون وتسمون باسم صموئيل"، ويضيف: "تركته يأخذ ذلك الانطباع عن التسامح".

ويشرح الكاتب أن معنى اسمه هو "اسم الله"، وهو أيضا ترجمة ل"إسماعيل"، مؤكدا أن أصدقاءه العرب ساعدوه على تجاوز عقدة الاسم.

ثم انتقل إلى والدته "كرجية"، التي قال إنها "عانت كثيرا في حياتها" في زواج لم يكن سعيدا، مضيفا: "لم تكن تحب أبي أبدا".

وفي نهاية حياتها، طلبت العودة إلى بغداد لكنها توفيت في سوريا خلال الحرب. "لم نجد حتى مكانا لدفنها، فدفنت في حديقة إحدى الكنائس بدمشق"، يقول بنبرة مكسوة بالحزن.

وتوقف شمعون أيضا عند شخصية والده "كيكا"، الأصم الأبكم والناجي الوحيد من مجزرة ارتكبها الأكراد والأتراك ضد الآشوريين، والذي رباه الإنجليز.

تكريما له، أطلق شمعون اسم "كيكا" على موقعه الأدبي الشهير، قائلا: "أردته أن يكون للتسامح والمحبة والانفتاح، باسم ذلك الرجل الذي لم يكن له صوت".

May be an image of 11 people, people studying and text

الآلة الكاتبة التي أنقذت حياته

في اللحظة الأكثر درامية في سرده، كشف شمعون كيف أن الآلة الكاتبة أنقذت حياته بالمعنى الحرفي، ففي عام 1974، كان مجندا في الجيش العراقي ويستعد للذهاب إلى جبهة كردستان في حرب وصفها ب"القاسية جدا".

وبينما كانت وحدته في طريقها إلى الجبهة، وصل مراسل بريد بدراجة بخارية يحمل أمرا عسكريا يطلب عودته فورا إلى المعسكر.

السبب؟ كانت القيادة بحاجة ماسة إلى "كاتب طابع" (راقن)، وذكر أحدهم أن الجندي صموئيل شمعون يجيد الطباعة على الآلة الكاتبة.

وقال شمعون: "أعادوني إلى المعسكر لأصبح جنديا كاتبا، بعد شهر، كل الزملاء الذين كانوا معي قد ذهبوا في الحرب وماتوا... لو لم تكن تلك الآلة، لكنت قد ذهبت معهم".

من التشرد إلى مجلة "بانيبال"

بعد خروجه من العراق، عاش شمعون حياة تشرد قاسية في بيروت وباريس، حيث كان ينام في الشوارع والمقابر، لكن مهارته في الطباعة على الآلة الكاتبة كانت أيضا وسيلة لرزقه، حيث كان يطبع قصائد وقصصا لأدباء عرب مقابل أجر زهيد أو "كأس أو كأسين من البيرة".

هذه الرحلة الصعبة توجت بإنجازه الأهم، وهو تأسيس مجلة "بانيبال" مع زوجته المترجمة الإنجليزية مارغريت أوبانك.

وعلى مدى 25 عاما، عملت المجلة على ترجمة الأدب العربي الحديث إلى الإنجليزية وتقديمه للعالم، معتمدا على تمويل مستقل لضمان حريته الكاملة.

وقال: "الدرس الذي أردت أن أقوله للعالم العربي هو أنه يجب ألا نعتمد على الحكومات في مواضيع مثل الأدب، نجحت بتواضع لأني كنت مثل الحيوان البري، أنشر ما أريد".

May be an image of 11 people, people studying, table and text

هوليوود.. الحلم الذي لم يتحقق

اعترف شمعون أن حلمه الأكبر كان السينما والوصول إلى هوليوود، وهو حلم زرعه فيه ملهمه "قرياقوس".

واعتبر أن روايته الشهيرة "عراقي في باريس" كانت بمثابة الفيلم الذي لم يستطع صناعته، وأن كتابتها "أراحته نفسيا" من عقدة هوليوود.

وأكد أن السينما علمته التسامح في الكتابة والتخلص من التبجح.

وأورد أنه "أعرف كتابا من العالم العربي كتبوا سيرا ذاتية وكانوا يسيئون حتى لإخوتهم وأصدقائهم فقط ليظهروا أنهم أذكياء، السينما علمتنا أن تكون بطلا وأن تقول أفكارك وتؤمن أن القارئ سيفهم، دون الحاجة لإظهار عضلاتك أو الإساءة للآخرين".

وعندما سئل لماذا لم يذهب إلى هوليوود رغم نجاحه، أجاب بكلمات مؤثرة تلخص نهاية رحلته: "أنا لم أذهب إلى هوليوود لأني وقعت في غرام ماجي الإنجليزية، تماما مثل قرياقوس"، في إشارة إلى أن الحب كان هو المحطة الأخيرة التي تفوقت على حلم السينما الكبير.

May be an image of 2 people, people studying and text

الكتابة بالعربية أم بالآشورية؟

ردا على سؤال حول سبب عدم كتابته بلغته الأم الآشورية، قال شمعون إنه لا يعرف، وذكر قصة الشاعر الآشوري الكبير سركون بولس الذي كان يتقن الآشورية والإنجليزية لكنه اختار أن يكتب بالعربية فقط.

وأضاف: "الغريب أننا لم نتكلم وأنا باللغة الآشورية على الإطلاق، كنا نتحدث دائما بالعربية، ربما كنا نخجل من ذلك لأنه كنا نشعر أنها ستكون نوعا من العنصرية".

وروى نكتة طريفة حين كان يتصل بوالدته من باريس، فاضطر للتحدث معها بالعربية لأنها "أرخص بكثير" من الآشورية التي كان يجد صعوبة في تذكر مفرداتها، مما يستهلك القطع النقدية بسرعة.

وشارك في اللقاء، إلى جانب الكاتب صموئيل  شمعون، كوكبة من المبدعين المغاربة الشباب، وهم: هدى الشماشي وهاجر طريش، وبديعة إد حسينة، وياسين كني وهشام المودن، وصالح أيت صالح، محمد الهاشمي، وهشام فؤاد كوغلت.

تعتبر رواية "عراقي في باريس" للكاتب صموئيل شمعون، الصادرة لأول مرة عام 2005، عملا أيقونيا في أدب السيرة الذاتية والمنفى.

تحكي الرواية بأسلوب سينمائي قصة شاب عراقي آشوري يغادر بلاده حالما بالوصول إلى هوليوود، ليجد نفسه متشردا في شوارع باريس.

والجدير بالذكر أن طبعة مغربية جديدة منها صدرت مؤخرا في طنجة عن دار أكورا للنشر والتوزيع.

سيرة شمعون بالتواريخ

ولد الكاتب والشاعر صموئيل شمعون عام 1956 في مدينة الحبانية بالعراق لعائلة آشورية.

بعد إكمال دراسته الثانوية، غادر العراق في عام 1979 ليبدأ رحلة منفى طويلة وشاقة استمرت لسنوات، تنقل خلالها بين دمشق وعمان وبيروت ونيقوسيا والقاهرة، قبل أن يستقر في باريس عام 1985.

خلال هذه الفترة، عاش حياة التشرد والفقر، ومارس أعمالا مختلفة ليتمكن من الاستمرار في الكتابة.

في عام 1996، انتقل شمعون إلى لندن حيث يقيم حاليا، وهناك بدأت مرحلة الاستقرار والإنتاج الأدبي المنظم.

في عام 1998، أسس مع زوجته المترجمة مارغريت أوبانك مجلة "بانيبال" الشهيرة، التي أصبحت أهم منصة لترجمة الأدب العربي الحديث إلى الإنجليزية.

وفي عام 2005، أصدر روايته الأيقونية "عراقي في باريس" التي حققت نجاحا عالميا وترجمت إلى لغات عديدة، ليكرس نفسه بعدها كواحد من أبرز الأصوات الأدبية العراقية في المهجر، وفاعل ثقافي مؤثر عبر المجلة وموقعه الأدبي "كيكا".

May be an image of 3 people, prairie gentian, baby's-breath and text