بقلم: عبد العزيز الخبشي، محلل اقتصادي
في كل محطة سياسية مفصلية، يطل خطاب العرش ليضع المعالم الكبرى لتوجه الدولة، ليس كإعلان نوايا عابر، وإنما كوثيقة سياسية عليا تحمل في طياتها التوجيه الاستراتيجي الذي يُفترض أن تُترجم مضامينه في سياسات الحكومة وبرامجها المالية والاقتصادية والاجتماعية. خطاب العرش لسنة 2025 كان صريحًا في إحدى قضاياه المركزية: لا يمكن للمغرب أن يستمر في السير بسرعتين، حيث تتقدم فئة من الجهات والمناطق والطبقات بخطى ثابتة نحو الاندماج في الدورة الاقتصادية الحديثة، بينما تظل فئات وجهات أخرى متأخرة، تعيش على هامش النمو، وتُحرم من البنية التحتية والخدمات الأساسية وفرص الاستثمار. هذه الفجوة، كما شدد الخطاب، ليست فقط مسألة أرقام وإحصاءات، بل هي جرح اجتماعي يهدد تماسك الأمة ووحدة مصيرها.
بعد أيام قليلة من هذا الخطاب، وجّه رئيس الحكومة منشورا تأطيريا رقم: 11 بتاريخ 8 غشت 2025 للوزراء وكافة القطاعات الحكومية لإعداد مشروع قانون المالية لسنة 2026، حدد فيه أولويات العمل المالي للسنة المقبلة. هذا المنشور، بما يحمله من لغة تقنية وإشارات سياسية، يشكل الحلقة الأولى في ترجمة التوجهات الملكية إلى أدوات مالية وقوانين قابلة للتنفيذ. غير أن السؤال المحوري الذي يفرض نفسه: هل استوعب المنشور بالفعل جوهر رسالة الملك، أم اكتفى بدمجها في صياغة عمومية تحافظ على الاستمرارية البيروقراطية دون قفز نوعي في الرؤية؟
إذا تفحصنا مضمون المنشور، نجد أنه ينطلق من هدف معلن يتمثل في تعزيز الإقلاع الاقتصادي، وتحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية، ودعم التنمية الجهوية، وتحسين المؤشرات المالية الكبرى عبر التحكم في العجز وتقليص نسبة المديونية. هذه الأهداف، على وجاهتها، ليست جديدة؛ فهي تتكرر في كل دورة إعداد لقانون المالية منذ سنوات. لكن الجديد الذي كان ينتظره الرأي العام، على ضوء خطاب العرش، هو الانتقال من العموميات إلى خطط دقيقة تضمن تقليص الفجوة بين المركز والأطراف، وبين الشرائح الاجتماعية العليا والدنيا، بشكل ملموس.
في الجانب المالي الصرف، يتحدث المنشور عن نسبة نمو متوقعة في حدود 4.5%، وتخفيض العجز إلى حوالي 3%، مع تثبيت المديونية في حدود 65.8%. هذه المؤشرات، وإن كانت مهمة في الحفاظ على التوازنات الماكرو اقتصادية، إلا أنها لا تضمن وحدها القضاء على “السرعتين”. فالنمو يمكن أن يتحقق في القطاعات الموجهة للتصدير أو في أحزمة المدن الكبرى، دون أن يصل أثره إلى القرى والمناطق الجبلية والجهات النائية. وهنا بالضبط يطرح التحدي الحقيقي: كيف نحول نمو الناتج الداخلي الخام إلى نمو في مؤشرات العدالة المجالية والاجتماعية؟
إذا نظرنا إلى المدى القصير، يمكن القول إن المنشور حاول أن يلتقط إشارة الملك من خلال تأكيده على ضرورة توجيه الموارد نحو التنمية الجهوية وتحسين الخدمات الأساسية في كل الجهات، مع إعطاء الأولوية للقطاعات الاجتماعية. لكن الملاحظ أن الصياغة بقيت مفتوحة وفضفاضة، من دون تحديد آليات أو برامج زمنية أو مخصصات مالية واضحة لمعالجة التفاوتات. فالتجارب السابقة أظهرت أن كثيرًا من البرامج التي ترفع شعار العدالة المجالية تبقى حبرًا على ورق إذا لم تُربط بآليات تنفيذ صارمة ومؤشرات قياس أداء دقيقة.
أما إذا انتقلنا إلى المدى المتوسط والبعيد، فإن الاستجابة الفعلية لخطاب العرش تتطلب إعادة النظر في طريقة إعداد الميزانية ذاتها. فبدل منطق التوزيع القطاعي التقليدي، ينبغي الانتقال إلى منطق برمجة الميزانية على أساس الأهداف والنتائج، وربط الاعتمادات المالية بتحقيق مؤشرات محددة في تقليص الفوارق بين الجهات، وقياس أثر كل درهم يُنفق على تحسين مستوى العيش في المناطق الأقل حظًا. وهذا التحول الجوهري لم نجد له أثرًا واضحًا في المنشور، الذي ما زال وفياً للمقاربة التقليدية في إعداد قانون المالية.
كما أن القضاء على "السرعتين" لا يمكن أن يقتصر على البعد المالي فقط، بل يحتاج إلى سياسات موازية في مجال الاستثمار العمومي والخاص، وتحفيز المقاولات على التوجه نحو المناطق المهمشة، وربط البنية التحتية الكبرى بالاقتصاد المحلي لتلك المناطق، وتوفير شروط العيش الكريم من صحة وتعليم وسكن، وهي مجالات تتداخل فيها اختصاصات عدة وزارات وجماعات ترابية، ما يفرض ضرورة وجود قيادة حكومية قوية قادرة على التنسيق الفعال وتنفيذ المشاريع بالسرعة المطلوبة.
في المقابل، لا يمكن إنكار أن المنشور تضمن إشارات إيجابية، مثل الدعوة إلى تحسين مناخ الأعمال، وتعزيز الجاذبية الاستثمارية، وربط التحفيزات بالنتائج، وتشجيع الابتكار. هذه الخطوط العريضة، إذا أُنجزت بصرامة، يمكن أن تخلق دينامية اقتصادية شاملة. لكن الخشية أن تبقى هذه الإشارات رهينة خطاب النوايا، خصوصًا إذا لم تقترن بإجراءات استثنائية توازي الطابع الاستعجالي الذي يحمله خطاب العرش.
النقطة الأخرى التي تستحق الوقوف عندها هي أن خطاب العرش كان واضحًا في ربطه بين تحقيق السرعة الواحدة وبين مبدأ العدالة الاجتماعية. هذا المبدأ يتجاوز مجرد توفير الخدمات الأساسية، ليشمل توزيعًا أكثر إنصافًا للثروة، وتقليص الهوة في الدخول والأجور، وضمان تكافؤ الفرص بين أبناء المدن الكبرى وأبناء المناطق البعيدة. لكن المنشور لم يتطرق بشكل مباشر إلى آليات إعادة توزيع الثروة أو إلى إصلاح النظام الضريبي ليكون أكثر عدالة وفعالية، رغم أن هذا الجانب هو أحد المفاتيح الرئيسية لتقليص الفوارق.
من منظور نقدي، يمكن القول إن هناك فجوة واضحة بين الخطاب الملكي الذي يحمل بعدًا استراتيجيًا حاسمًا، وبين الصياغة الحكومية التي تظل حبيسة لغة تقنية محافظة، تسعى إلى التوفيق بين الحفاظ على التوازنات المالية وبين الاستجابة الجزئية للتوجهات الملكية. هذه الفجوة ليست جديدة في علاقة الخطاب السياسي الأعلى بالبرامج التنفيذية، لكنها في هذا السياق تبدو أكثر خطورة، لأن موضوع "السرعتين" يلامس توازن الدولة الاجتماعي والاقتصادي في العمق.
إن الرهان الذي يطرحه خطاب العرش على الحكومة لا يقتصر على وضع عنوان جميل لقانون المالية، بل يتطلب تغييرًا في الفلسفة التي يقوم عليها إعداد الميزانية. فالمطلوب هو الانتقال من مقاربة تقيس النجاح بالأرقام الكلية (النمو، العجز، المديونية) إلى مقاربة تقيس النجاح بمدى تحسين حياة الناس في الجهات والمناطق التي طالها الإقصاء. ولتحقيق ذلك، لا بد من إدخال مؤشرات قياس أثر اجتماعي ومجالي، وإخضاعها لتتبع دوري وتقييم مستقل.
كما أن تحقيق السرعة الواحدة لا يمكن أن يتم إلا عبر مقاربة تشاركية تشمل الجماعات الترابية، والمجتمع المدني، والقطاع الخاص، مع وضع آليات تمويل مرنة تسمح بتنفيذ المشاريع الكبرى والصغرى في آن واحد، وتضمن استفادة المواطنين بشكل مباشر وملموس. هذا يتطلب أيضًا شفافية قصوى في تدبير المال العام، ومحاربة الفساد والزبونية، وهي قضايا لم نجد لها حضورًا قويًا في المنشور الحكومي رغم مركزيتها في تحقيق أي تحول حقيقي.
خلاصة القول، إن منشور رئيس الحكومة لإعداد مشروع قانون المالية لسنة 2026 يعكس، في مستوى الخطاب العام، استجابة للتوجهات الملكية المعلنة في خطاب العرش، خصوصًا في ما يتعلق بالسعي إلى تحقيق العدالة المجالية والاجتماعية. لكنه، عند تفكيكه نقديًا، يكشف عن استمرار هيمنة المقاربة التقليدية في إعداد الميزانية، وعن غياب التفاصيل العملية التي تترجم شعار "السرعة الواحدة" إلى برامج وأرقام وآجال محددة. لذلك، فإن الرهان على قانون المالية المقبل كأداة لحسم مسألة "السرعتين" سيظل مشروطًا بقدرة الحكومة على تحويل هذه المذكرة التأطيرية إلى خطة تنفيذية جريئة، واضحة، وملزمة، تضع نهاية للفوارق المجالية والاجتماعية التي طال أمدها.
إن التحدي الأكبر أمام الحكومة اليوم ليس في صياغة النصوص أو ضبط المؤشرات المالية، بل في إثبات أن الإرادة السياسية موجودة لتغيير الواقع على الأرض، وأن الزمن السياسي قادر على مجاراة الزمن الاجتماعي، وأن خطاب العرش لم يكن مجرد دعوة بل كان بداية لمرحلة جديدة من العمل التنموي المتكافئ، حيث يتحرك المغرب كله بسرعة واحدة نحو المستقبل.
- عبد العزيز الخبشي.