إيمان الرازي تكتب: حين تصبح المرأة ضحية مرتين

تيل كيل عربي

بقلم إيمان الرازي، أستاذة جامعية وفاعلة حقوقية

إن ما تعرضت له شابة ناشطة على منصات التواصل الاجتماعي من حملة تشهيرية قذرة، يعيدنا من جديد إلى المربع الأول من النقاش حول هشاشة المنظومة القانونية والأخلاقية التي تحكم فضاءنا العام، ونطرح السؤال: هل نحن أمام واقع صارخ، تتكرر مشاهده في كل مرة: فتاة أو امرأة تتعرض لاعتداء رمزي عبر بث محتوى رقمي كاذب أو مشوه للسمعة؟ نعم ودائما في كل حادثة يحمل في طياته نوايا الانتقام والإذلال أكثر مما يحمل أي ادعاء موضوعي بالحقيقة، والنتيجة أو المحصلة تكون دائما واحدة: حياة شخصية مدمرة، أسر مهددة بالانهيار، ومسار مهني أو اجتماعي ينتهي بكبسة زر من مجهول أو مأجور.

أصبح التشهير في زمن الرقمنة ليس بوصفه مجرد إشاعة عابرة أو ألوكة في المقاهي كما كان في السابق، لكنه اليوم سلاح فتاك، قاتل، سريع المفعول، يصل إلى الآلاف بل إلى الملايين في ظرف ثوان معدودات، ويتحول إلى وصم عار لا يمحى بسهولة، ولأن مجتمعنا الذي لم يتخلص بعد من ثقافة وصاية الرجل للأسف، ولأن القوانين كذلك لم تواكب بعد تحولات العصر الرقمي، نجد أن النساء دائما أول من يدفع الثمن غاليا، وأن الكيل بمكيالين حاضر بقوة في تعامل القانون والمجتمع مع مثل هذه القضايا.

المعضلة الكبرى في هذه القضية تكمن في أن القوانين الحالية في بلادنا، وعلى رأسها المسطرة الجنائية، لا توفر الحماية الكافية للمرأة التي تقع ضحية تشهير أو ابتزاز رقمي، بل أكثر من ذلك، نجد أن هذه التشريعات تتساهل بشكل متعمد مع الرجل حين يتعلق الأمر بما يسمى "الخيانة الزوجية"، إذ يكفي أن يحصل الزوج على "تنازل" الزوجة ليخرج كأن شيئا لم يكن، بينما تُعلق المرأة على المشانق الاجتماعية حتى قبل صدور أي حكم قضائي لأنها من الصعب أن تحصل على التنازل من زوج يبقى رجلا ينتمي لذات الثقافة أو إن كان عزباء فذلك يكفي لتدخل السجن من أوسع الأبواب.

إن قضية هذه الشابة، كما عشرات القضايا التي سبقتها والتي عرضت على الرأي العام قبل مثولها أمام القضاء، تعري حقيقة واحدة مرة: التشهير أداة سلطوية بامتياز، تُستخدم ضد النساء لتدميرهن معنويا واجتماعيا، بينما يجد الرجال دائما المخارج والملاذات الاجتماعية والثقافية والقانونية، لأن هذا الواقع يعكس هيمنة بنية ثقافية تعتبر جسد المرأة وشرفها "ملكية عامة"، تخضع للمراقبة والمساءلة، في حين يُنظر إلى أخطاء الرجل على أنها مجرد نزوات عابرة أو "رجولة" متهورة.

إننا هنا لا ندافع فقط عن فرد تعرض للتشهير، أو شابة معروفة سيضيع مستقبلها بسبب علاقة عاطفية غير متكافئة، لكننا نسجل موقفا حاسما ضد بنية كاملة من الظلم المُمأسس له والمُطبع معه، لأن التشهير الرقمي وببساطة، جزء من آلة قمع أكبر تستهدف النساء أولا، وتُبقيهن في خانة الخوف الدائم من الفضيحة، بينما تُطلق يد المجتمع في العبث بمصائر الآخرين دون عقاب يسجل.

القانون الجنائي في صيغته الحالية متواطئ مع هذه الثقافة، لأنه يعيد إنتاج نفس الموازين المختلة وتكريسها بذلك، فمراجعة المسطرة الجنائية لم تعد ترفا أو مطلبا ملحا للحركة النسائية، لكنها غدت ضرورة قصوى إذا أردنا أن نبني دولة منصفة وعادلة لا تسير بمنطق السرعتين كما حذر عاهل البلاد في خطاب العرش السابق، لهذا وجب تشديد العقوبات على جرائم التشهير الرقمي، وأن تُصنف باعتبارها اعتداء خطيرا يمس الحياة الخاصة وسلامة الأشخاص، وأن يُمنع تماما أي تعامل انتقائي أو تمييزي بين الرجل والمرأة في هذا الباب، ثم إن الإعلام والفضاء الرقمي بدورهما مطالبان بتحمل مسؤوليتهما الأخلاقية، لأن التشهير لا ينتشر لو لم يجد من يتلقفه أو بيئة حاضنة له، تعيد نشره، تشمت في الضحية بدل أن يتم التضامن معها. إذن وفي المحصلة، نحن أمام ثقافة منحطة تتغذى على الفضائح، وتجعل من أعراض النساء سلعة للتداول. في هذه الحالة، يصبح الصمت تواطؤاً فعلا، ويصبح الحياد خيانة مكشوفة لضحايا كثر لا يجدون من ينصفهم.

إننا حين نقول لا للشائعات، فإننا نرفع شعارا أخلاقيا قبل أن نحتكم لما هو قانوني لأن الشائعة رصاصة غادرة قاتلة وليست مادة خبرية إطلاقا، وأن كل من يشارك في نشرها أو الترويج لها إنما يشارك في جريمة جماعية تستهدف إنسانا في عمق كرامته وحياته وعائلته. فلتكن لدينا الشجاعة الكافية لنعلن بأن التشهير جريمة مزدوجة: جريمة من طرف من فبرك المحتوى وأعده، وجريمة من طرف من صدقه وروج له.

قضية هذه الشابة المغربية غ. ع يجب أن تشكل ناقوس خطر جديد يستدعي اليقظة الجماعية، فلا يكفي أن ندين ونشجب في الفيسبوك أو تويتر أو باقي وسائل التواصل الاجتماعي، لكن من المفروض علينا أن نضغط كمجتمع مدني، كحركة نسائية، كقوى سياسية ديمقراطية، تقدمية حداثية، من أجل إصلاح جذري للقوانين برمتها، ومن أجل العمل على تغيير فعلي لثقافة أبيسية سائدة تعطي للرجل حق الفعل، وللمرأة نصيب الألم، فهل يجوز أن نستمر في هذا العبث من دون رادع قانوني و أخلاقي؟

إن أي إصلاح حقيقي يجب أن ينطلق من الاعتراف الصريح بأن النساء ضحايا لمرات متعددة: ضحايا فعل التشهير نفسه، وضحايا قانون غير منصف لا يحميهن، وضحايا مجتمع ذكوري يجلدهن عند أول عثرة.

ولنختم بالقول: لا للتشهير، لا لترويج الشائعات، لا للتمييز الممأسس ضد النساء. نعم لقوانين عادلة تحمي الكرامة الإنسانية، نعم لثقافة تجرم العنف الرقمي بلا تردد، نعم لمجتمع يواجه الوضاعة بدل أن يتلذذ بها. المعركة طويلة جدا، لكن الصمت عنها أو الحياد فيها جريمة لا تقل خطورة عن فعل التشهير في حد ذاته.