أعطت الحكومة الإسبانية الضوء الأخضر لبرنامج فضائي عسكري جديد يهدف إلى تعزيز قدرات البلاد في مجال المراقبة والاستطلاع الفضائي، وذلك عبر تمويل شركة Hisdesat بمبلغ 1,012 مليار يورو لتطوير منظومة الأقمار الصناعية "باز 2"، التي ستحل محل القمر الحالي "باز 1" المتوقع انتهاء صلاحيته سنة 2030.
البرنامج الجديد يتضمن تصنيع وإطلاق قمرين صناعيين بين عامي 2031 و2032، مجهزين بتقنية الرادار ذي الفتحة الاصطناعية (SAR). وسيتمكنان من مضاعفة القدرات التشغيلية 16 مرة مقارنة بالنظام الحالي، مع تحسين دقة الصور إلى بضعة سنتيمترات فقط، وزيادة التغطية اليومية ثلاث مرات.
كما ستتيح المنظومة الجديدة صورا متعددة الاستقطاب، وتستفيد من تقنيات الذكاء الاصطناعي لتفسير الأهداف بشكل أوتوماتيكي، ما يمنح إسبانيا تفوقًا تكنولوجيًا في مجال المراقبة.
وزارة الدفاع الإسبانية أكدت أن البرنامج يندرج ضمن استراتيجية حماية المصالح الوطنية، إذ سيوفر معلومات دقيقة وآنِيَة للجيش والإدارات العمومية والهيئات الدولية في مجالات متعددة مثل الاستخبارات والأمن القومي، وإدارة الكوارث الطبيعية وحالات الطوارئ، ومراقبة البنية التحتية الحيوية، والتحكم في الحدود.
وسيتم تنفيذ المشروع من طرف Airbus Defence and Space España، بنسبة مشاركة وطنية تصل إلى 65%، بما يغطي مراحل التصميم، التصنيع، الاختبارات، الإطلاق والتشغيل الأولي، إضافة إلى خدمات التأمين واللوجستيك.
إطلاق إسبانيا لبرنامجها العسكري الجديد "باز 2" لا يمكن قراءته بمعزل عن التطورات الإقليمية، خصوصًا مع تزايد الاهتمام المغربي بالفضاء كجزء من منظومته الدفاعية والاستراتيجية.
المغرب بدوره أطلق خلال السنوات الماضية أقمارًا صناعية متطورة من طراز محمد السادس A وB، بقدرات عالية في مجال الاستشعار عن بعد ومراقبة الحدود. هذه الخطوة وضعت الرباط ضمن قائمة محدودة من الدول الإفريقية القادرة على الاستفادة من صور فضائية لأغراض عسكرية وأمنية وتنموية.
وبينما تراهن إسبانيا على مضاعفة إمكاناتها عبر "باز 2" بحلول 2031، يسعى المغرب إلى تعزيز موقعه الريادي في شمال إفريقيا من خلال توسيع شراكاته الفضائية مع قوى كبرى مثل فرنسا، الولايات المتحدة والصين. ثم دمج الأقمار الصناعية في المنظومة الدفاعية لمراقبة التحركات في محيطه الإقليمي، سواء على مستوى الحدود أو السواحل الأطلسية والمتوسطية. وكذلك توظيف الاستشعار الفضائي في حماية البنيات التحتية الاستراتيجية الكبرى، مثل ميناء طنجة المتوسط، خط أنبوب الغاز النيجيري – المغربي، ومشاريع الطاقات المتجددة.
هذا التوازي بين مدريد والرباط يعكس دخول المنطقة في مرحلة سباق تكنولوجي وأمني في مجال الفضاء، ستكون له انعكاسات مباشرة على التوازنات الاستراتيجية في غرب المتوسط. فبينما تحاول إسبانيا ضمان استقلاليتها الأوروبية في المراقبة الفضائية، يسعى المغرب إلى تكريس مكانته كقوة صاعدة، ليس فقط في القارة الإفريقية بل أيضًا كـ"شريك لا غنى عنه" في الأمن الإقليمي.